فهرس الكتاب
وقد رغب أبو بكر من هذا أن يقطع ألسنتهم ويمنعهم من السخرية, وأن يأتي بالدليل على صدق إسرائه.
وعند ذلك حدثت المعجزة, وأراد الله أن ينصر نبيه صلى الله عليه وسلم, فرفع بيت المقدس وجعله في بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبصيرته, فظهر له بيت المقدس واضحا وجليّا, فقال عليه السلام: باب منه مكانه كذا, فصاح أبو بكر فرحا وقال: صدقت يا رسول الله أشهد أنك أنت رسول الله .. واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"وباب منه في موضع كذا .."فيعود أبو بكر ويقول في حماسة وفرح: صدقت يا رسول الله, أشهد أنك رسول الله وظل أبو بكر يقول ذلك في كل فقرة, ولذلك فقد سمي أبو بكر من هذا اليوم باسم الصدّيق رضوان الله عليه.
سكت أبو جهل والكفار وعلموا أن رسول الله لم ولن يهزم أمامهم, ولكنهم عادوا إلى التضليل والكذب وقال أحدهم: يا قوم؛ وألم يخبركم الوليد بن المغيرة, فان ما سمعناه اليوم من محمد إن هو إلا السحر بعينه. وأسرع بعضهم يغيّر مجرى الحديث فقال: يا محمد؛ إن كنت ذهبت الليلة إلى بيت المقدس حقا فان لنا عيرا ذهبت بتجارتنا إلى بلاد الشام, فهل تستطيع أن تخبرنا أين مكانها الآن من الطريق؟
لقد وصفت لنا بيت المقدس, ولعلك تعرف مكان قافلتنا الآن فأين هي الآن من مكة؟ فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مرّ بهذه القافلة بوادي كذا وهو متوجه إلى الشام, فخافوا من منظر البراق وجماله, لأن البراق كان سيره صوت مخيف, فأزعج القوم, وجعل جمالهم تنفر وتهرب هنا وهناك, فهرب منهم بعير فدلهم الرسول صلى الله عليه وسلم على مكانه. فلما عادت القافلة, وحكى لها الكفار ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم, صدقوه, وصدقوا ما قاله عليه السلام. وقال رجل آخر للرسول صلى الله عليه وسلم: إن لنا قافلة أخرى ذهبت إلى الشام فدلنا على مكانها في الطريق.
فقال عليه السلام:"مررت بهذا الإبل وأنا قادم في مكان كذا وكذا, وفيها جمل عليه غرارتان: غرارة سوداء وغرارة بيضاء, فلما حاذيتهم نفرت العير, أي أن الإبل خافت وذعرت من حس البراق, وصرع بعير وانكسر".
فلما عادوا إلى مكة أخبروا بصدق ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم. ورغم ذلك قالوا: هذا هو السحر.
وعاد أحدهم يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وان لنا إبلا, فأخبرنا بمكانها ومتى تجيء؟ فقال عليه الصلاة والسلام:"تأتيكم هذه العير يوم كذا يقدمها جمل أورق عليه غطاء من الصوف الأحمر وغرارتان."
فلما كان وصول القافلة خرجت قريش لتنظر هل يصدق موعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا يصدق, وكاد النهار ينتهي وأوشكت الشمس على المغيب, فقال أحد الكفار ساخرا: ها هو ذا اليوم ينتهي, ولم تقدم القافلة, ولم تجيء, اليوم بطل سحر محمد ..
وما كاد الرجل يتم كلمته حتى صاح أحد المؤمنين المسلمين: الله أكبر هذه طلائع القافلة قد ظهرت.