فهرس الكتاب
خطوة عند منتهى البصر, وكان دائما مستوي السير فلا يعلو ولا يهبط حتى إذا قابلته عقبة مرتفعة, قصرت رجلاه الأماميتان وطالت الخلفيتان .. وإذا قابله واد منخفض طالت رجلاه الأماميتان وقصرت رجلتاه الخلفيتان .. !! .. وهكذا توفرت للرحلة معجزات ما بعدها معجزات.
أما جبريل عليه السلام فكان يسير بجناحيه إلى جانب البراق مؤنسا ورفيقا للرسول صلى الله عليه وسلم, كانت وجهتهما بيت المقدس حيث يوجد المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله.
21.... مشهد في الطريق
وفي الطريق تعددت المشاهد وفي هذا المشهد تظهر امرأة جميلة متبرّجة بكل أنواع الزينة, حاسرة على ذراعيها تنادي: يا محمد انظرني أسألك, فلم يلتفت إليها صلى الله عليه وسلم, ثم سار عليه السلام ما شاء الله له أن يسير, فقال جبريل للرسول: أما سمعت شيئا في الطريق؟ فقال عليه السلام:"بينما أنا أسير إذا بامرأة حاسرة على ذراعيها عليها من كل زينة خلقها الله تقول: يا محمد انظرني أسألك! فلم أجبها, ولم أقم عليها ..".
قال جبريل: تلك الدنيا, أما أنك لو أجبتها, لو أقمت عليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة, وأما الشيء الذي ناداك من جانب الطريق فهو إبليس.
ثم قدّم جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم إناءين في أحدهما خمر, وفي الآخر لبن, وقال له: اختر ما شئت, فاختار رسول الله إناء اللبن فشربه, وأعرض عن الخمر, ولم تكن الخمر قد حرّمت في الإسلام حينئذ, فلما اختار الرسول اللبن قال له جبريل: هديت إلى الفطرة, ولو شربت الخمر لغويت وغويت أمتك. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر الله أكبر".
وقد قصد جبريل عليه السلام بهذا أن الخمر كانت في أصلها عصيرا طيّبا أو نقيعا نافعا للبدن؛ ثم تحوّلت عن هذا الأصل الطيب النافع في اللون والطعم والريح وتحول كل هذا من شيء طيب نافع مفيد للجسم والبدن إلى عصير خبيث يذهب بالعقل, ويدمّر الجسم, ويفسد الإرادة, ويتلف البدن, والأدهى من ذلك كله أنه يوقع العداوة والبغضاء بين الناس ..
فلو أن الرسول قد شرب الخمر لكان ذلك قبولا منه لشيء صار خبيث, ورفضا لكل ما هو طيب نافع, وتفضيلا للخبيث على الطيب, وهذا لا يقبله منطق رسول الله ودعوته وخلقه الكريم, فهو لا يهوى الخبائث, بل يدعو للطيّب والطاهر وبذلك يثبت عليه السلام على الأصل النافع الطيّب .. واللبن الذي اختاره صلى الله عليه وسلم شراب أصيل لم يتغيّر لونه ولم يتحول إلى شراب خبيث يذهب العقول كالخمر, فهو نافع للصحة والبدن, فلما شربه صلى الله عليه وسلم آثر الصالح على الفاسد وهذ سنة الله التي فطر الله الناس عليها, وهي سنن دائمة الوجود باقية بقاء الناس لما فيها من نفع للناس أجمعين, ولذا فقد قال له جبريل عليه السلام: هديت إلى الفطرة, فما فعله رسول الله من شربه للبن هو منهج يسير على سنة الله في خلقه, الذين يعيشون الآن على وجه المعمورة والذين خلو من قبل.
نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند بيت المقدس, وصلى بالأنبياء إماما, وربط البراق بحلقة باب المسجد.