فهرس الكتاب
كلا، ليس هذا هو هدف الكلام، وليس هو المطلوب، ونحن بدأنا الكلام بحقيقة قرآنية، واقعية، وتاريخية، هي: انقسام الناس إلى مؤمنين وكافرين، وأن الكافرين يظهرون العداوة للمؤمنين؛ لذا فلا يستغرب منهم أن يسخروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبآيات الله، وبالمؤمنين.
وكان المقصود: بيان أن علاج هذه الظاهرة العدوانية، لا يكون بمد يد التسامح إلى أولئك الظلمة الفجرة، الذين أساؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونداءهم نداء هينا لينا، والسفر إليهم للمحاورة والمناظرة، لإظهار السماحة، والتقرب إليهم بالضحك والابتسامة، إنما في أمر آخر هو:
إظهار الغضب والسخط على ما فعلوه، بكافة الطرق السلمية، التي ليس فيها اعتداء:
-فمن ذلك: مقاطعة تجارتهم، والتعامل معهم، شراء، ووكالة، واستيرادا وتصديرا.
-ومنها: مقاطعة السفر إلى بلادهم، وترك الإقامة فيها لمن قدر على الانتقال إلى بلد آخر.
-ومنها: سحب السفراء، والتمثيل الدبلوماسي، ولو بالتهديد، وإلا فبالاستنكار الشديد.
-ومنها: تسخير القنوات الفضائية لبيان هذا الإجرام، والرد المناسب عليه، لتكن قضية الساعة.
-ومنها: بيان سماحة المسلمين مع المخالفين عبر التاريخ، عكس المخالفين مع المسلمين.
-ومنها: مقاطعة المثقفين وأصحاب الفكر لجلسات الحوار والمناقشة مع المفكرين الغربيين، وإظهار الغضب، ما لم يبرءوا من هذا العدوان الشنيع.
-ومنه: قيام المربين والمعلمين بالتركيز على سيرته صلى الله عليه وسلم بتوازن، فقد عامل بالرحمة، وهو الأصل والأغلب، ولم يمنعه ذلك من الشدة والقسوة، كما فعل مع ابن خطل. فلا يجوز عرض سيرته كأنه لا شدة فيها، أو عرضها وكأنه لا رحمة فيها، فالطرفان ذميم.
-ومنها: كف الشباب والفتيات عن تقليد العوائد والانحرافات الغربية، فلا يجوز تقليد أقوام يسخرون من المؤمنين، ودينهم، ونبيهم، حتى لو لم يسخروا ما جاز، فكيف وقد فعلوا؟.
كل يظهر غضبه ونصرته للنبي صلى الله عليه وسلم بالقدر الذي يقدر؛ ابتداء من الحاكم إلى العالم، إلى المثقف والداعية، إلى التاجر، إلى المعلم والمربي، إلى الشباب والفتيات .. فليست المناصب، ولا الأموال والتجارات، ولا المتع الدنيوية أعز علينا من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينه. لكن لما هنّا بهذا التكالب على الدنيا، وأردنا العزة بها أذلنا الله، وأي ذل أكبر من هذا الذي نحن فيه، يستباح كل شيء عندنا، ولم نفعل شيئا، ولم نحرك ميتا.
إيانا والتماهي مع شعار التسامح، فنصبح كالشاة تكتفي بأن تبعر في وجه الذئب، يجيء لافتراسها، فإنما المؤمنون أُسد، يلدون أُسدا، وهم أرحم الناس لضعيف، صادق، عادل، لو كان كافرا، وهم أشد الناس على جبار، كاذب، ظالم، لو كان مسلما.
فلنكن مؤمنين .. وإيانا أن نجعل من الذي يتخذ الشدة مع هذه الجرأة على المقام النبوي، بالموقف والكلمة، ليس العدوان: وكأنه قد تجاوز حده، وفعل خلاف السيرة النبوية. فإن الله تعالى قد جعل النار والعذاب على المستهزئين، ووصفهم فلم يصفهم إلا بالكفر، وهذا منتهى الشدة والغضب، فما على المؤمن إذا اتبع نهج القرآن من شيء.