فهرس الكتاب
والفرحة نضارة على الوجه ,ولهذا يجمع له سبحانه بين البهجة والسرور والنضرة ,كما في قوله تعالى: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} الإنسان11
فوقاهم الله من شدائد ذلك اليوم, وأعطاهم حسنًا ونورًا في وجوههم, وبهجة وفرحًا في قلوبهم, فالنضرة في وجوههم والسرور في قلوبهم, فالنعيم وطيب القلب يظهر نضارة في الوجه ,كما قال تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} المطففين24
ترى في وجوههم بهجة النعيم, والمقصود أن هذه النضرة في وجه من سمع سنة رسول الله ووعاها وحفظها وبلغها ,فهي اثر تلك الحلاوة والبهجة والسرور الذي في قلبه وباطنه ,وقوله رب حامل فقه إلى من هو افقه منه, تنبيه على فائدة التبليغ ,وان المبلغ قد يكون افهم من المبلغ ,فيحصل له في تلك المقالة ما لم يحصل للمبلغ ,أو يكون المعنى أن المبلغ قد يكون افقه من المبلغ ,فإذا سمع تلك المقالة حملها على أحسن وجوهها واستنبط فقهها وعلم المراد منها, وقوله ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إلى آخره ,أي لايحمل الغل ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة فإنها تنفى الغل والغش وهو فساد القلب وسخايمه ,فالمخلص لله إخلاصه يمنع غل قلبه ويخرجه ويزيله جملة ,لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه فلم يبق فيه موضع للغل والغش, كما قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} يوسف24
ولقد مالت نفسها لفعل الفاحشة, وحدَّثت يوسفَ نفسُه حديث خطرات للاستجابة, لولا أن رأى آية من آيات ربه تزجره عمَّا حدثته به نفسه, وإنما أريناه ذلك; لندفع عنه السوء والفاحشة في جميع أموره, إنه من عبادنا المطهرين المصطفَين للرسالة الذين أخلصوا في عبادتهم لله وتوحيده.
فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء, فانصرف عنه السوء والفحشاء ,ولهذا لما علم إبليس انه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شرطته التي اشترطها للغواية والإهلاك, فقال {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} الحجر40
إلا عبادك الذين هديتهم فأخلصوا لك العبادة وحدك دون سائر خلقك.
قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} الحجر42
لكن سلطانك على مَنِ اتبعك مِنَ الضالين المشركين الذين رضوا بولايتك وطاعتك بدلا من طاعتي. فالإخلاص هو سبيل الخلاص ,والإسلام هو مركب السلامة ,والإيمان خاتم الأمان ,وقوله ومناصحة أئمة المسلمين هذا أيضا مناف للغل والغش ,فإن النصيحة لا تجامع الغل ,إذ هي ضده فمن نصح ألائمة والأمة فقد برئ من الغل, وقوله ولزوم جماعتهم ,هذا أيضا مما يطهر القلب من الغل والغش ,فإن صاحبه للزومه جماعة المسلمين يحب لهم ما يحب لنفسه ,ويكره لهم ما يكره لها ,ويسوؤه ما يسؤهم ,ويسره ما يسرهم ,وهذا بخلاف من انحاز عنهم واشتعل بالطعن عليهم والعيب والذم لهم, كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم, فإن قلوبهم ممتلئة نحلا وغشا ,ولهذا تجد الرافضة ابعد الناس عن الإخلاص ,وأغشهم للائمة والأمة, وأشدهم بعدا عن جماعة المسلمين ,فهؤلاء اشد الناس غلا وغشا بشهادة الرسول والأمة عليهم, وشهادتهم على أنفسهم بذلك, فإنهم لا يكونون قط إلا أعوانا وظهرا على أهل الإسلام ,فأي عدو قام للمسلمين كانوا أعوان ذلك العدو وبطانته ,وهذا أمر قد شاهدته الأمة منهم ,ومن لم يشاهد فقد سمع منه ما يصم الأذان, ويشجي القلوب, وقوله فإن دعوتهم تحيط من ورائهم هذا من أحسن الكلام وأوجزه وأفخمه معنى ,شبه دعوة المسلمين بالسور والسياج المحيط بهم المانع من دخول عدوهم عليهم ,فتلك الدعوة التي هي دعوة الإسلام, وهم داخلونها, و لما كانت سورا وسياجا عليهم أخبر أن من لزم جماعة المسلمين أحاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الإسلام ,كما أحاطت بهم ,فالدعوة تجمع شمل الأمة, وتلم شعثها ,وتحيط بها, فمن دخل في جماعتها أحاطت به وشملته.