الصفحة 89 من 230

الشيطان ما يقال ... فساءه ذلك, وطار إلى أيوب محاولا إغواءه, ولكن أيوب بقي, قلبه هو الصفاء لله والحب لله.

وقد كان أيوب عليه السلام محصنا بإيمانه ضد وسوسة الشيطان, فما استطاع إبليس أن يغريه بشيء مما يغري به الأغنياء! وما قدر على أن يدفع به إلى ما كان يدفع إليه أمثاله من الأثرياء!!

حاول إبليس عن طريق شياطين البشر أن يحرّض أيوب على ارتكاب المعاصي, فأتاه بشرذمة من الناس يزيّنون له اللهو والمجون والمتعة المحرّمة, ويدعونه إلى ترك التقشف, والى التهاون في العبادة لينعم نفسه بمباهج الدنيا, ويمتعها بما أوتي من نعم وجاه ومال.

ولكن قلب أيوب كان تقيّا نقيّا, فلم يستجب لما زيّن له؛ وكانت نفسه مؤمنة ورعة, فلم تسمع ما دعيت إليه.

كانت متعة أيوب عليه السلام تكمن في أشياء كثيرة, كانت متعته في أن يكفل أيتاما مات عنهم عائلهم, وكانت بهجته في أن يساعد بماله أرملة ذهب عنها رجلها, أو فقير أضرّ به فقره, أو عاجزا أقعده عجزه, فيشعر بالسعادة لسعادتهم ويهنأ لهنائهم, ويشكر الله على أن هيأ له كل هذه السعادة وكل هذا الهناء.

وطال الأمد بإبليس دون أن يستطيع الوصول إلى غايته من استمالة أيوب ببلاء لم يكن منتظرا, سرّ له إبليس وفرح فعاود مع أيوب نشاطه من جديد, ونعود إلى أشهر رواية عن أيوب ومحنته فنقول: حين يئس الشيطان من إغواء أيوب, قال لله تعالى:

يا رب إن عبدك أيوب الذي يعبدك ويقدسك لا يعبدك حبا, وإنما يعبدك لأغراض.

يعبدك ثمنا لما منحته من مال وبنين, وما أعطيته من ثروة وعقار, وهو يطمع أن تحفظ عليه ماله وثراءه وأولاده, وكأن النعم العديدة التي منحتها له هي السر في عبادته, انه يخاف أن يمسها الفناء أو تزول .. وعلى ذلك فعبادته مشوبة بالرغبة والرهبة, يشيع فيها الخوف والطمع .. وليست عبادة خالصة ولا حبا خالصا.

وقد ذكرت الرواية أن الله تعالى قال لإبليس:

إن أيوب عبد مؤمن خالص الإيمان .. وليكون أيوب قبسا من الإيمان ومثالا عاليا في الصبر .. قد أبحتك ماله وعقاره .. افعل ما تريد, ثم انظر إلى ما تنتهي.

وهكذا انطلقت الشياطين فأتت على أرض أيوب وأملاكه وزروعه ونعمه ودمّرتها جميعا .. وانحدر أيوب من قمة الثراء إلى حضيض الفقر فجأة .. وانتظر الشيطان أيوب .. وقال أيوب عليه السلام عن المال: عارية لله استردها .. ووديعة كانت عندنا فأخذها, نعمنا بها دهرا, فالحمد لله على ما أنعم, وسلبنا إياها اليوم, فله الحمد معطيا وسالبا, راضيا وساخطا, نافعا وضارا, وهو الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء, ويضر من يشاء, ويذل من يشاء, ثم خرّ أيوب عليه السلام ساجدا وترك إبليس وسط دهشته المخزية.

وعاد الشيطان يقول لله تعالى: يا رب .. إذا كان أيوب لم يقابل النعمة إلا بالحمد, والمصيبة إلا بالصبر, فليس ذلك إلا اعتدادا بما لديه من أولاد .. انه يطمع أن يشتدّ بهم ظهره ويسترد بهم ثروته.

وتستطرد الرواية فتقول: إن الله أباح للشيطان أولاد أيوب .. فزلزل عليهم البيت الذي يسكنون فيه فقتلهم جميعا.

أنبياء الله لأحمد بهجت ص 171.

الله أعطى .. والله أخذ .. فله الحمد معطيا وسالبا, ساخطا وراضيا, نافعا وضارا.

ثم خرّ أيوب عليه السلام ساجدا وترك إبليس وسط دهشته المخزية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت