فهرس الكتاب
وعاد إبليس يدعو الله, أن أيوب لم يزل صابرا لأنه معافى في بدنه, ولو أنك سلطتني يا رب على بدنه .. فسوف تكف عن صبره.
وتقول الرواية أن الله أباح جسد أيوب للشيطان يتصرف فيه كيف يشاء .. فضرب الشيطان جسد أيوب من رأسه حتى قدميه, فمرض أيوب مرضا جلديا راح لحمه يتساقط ويتقيّح .. حتى هجره الأهل والأصحاب .. ولم يعد معه إلا زوجته ..
ومرت الأيام, وتتابعت الشهور, وأيوب تزداد حالته سوءا, حتى لم يعد يستطيع أحد أن يقترب منه لعفن قروحه, ونتن رائحتها, فبرم الناس به, ونفروا منه, وانقطعوا عن زيارته, وتذمّر أهله من جيرته وظلت زوجته هي الوحيدة التي تخدمه, وتقضي له حاجاته.
ومرت السنون وأهل أيوب لا يستطيعون على جيرته صبرا, ولا يحتملون له قربا, وجهروا باستيائهم, وأظهروا تذمّرهم بالأقوال والأفعال, فلم تجد رحمة بدا من أن تعرش لزوجها عريشا في ظاهر المدينة وتنقله إليه.
وانتقل أيوب عليه السلام الذي كان يملك الضياع, ويسكن القصور إلى عريش من القش على قارعة الطريق, ورغم ذلك لم يتركه الناس لحاله, بل كانوا إذا مرّوا عليه أظهروا تذمرهم, وأبدوا تأففهم. وقالوا: لو كان رب هذا له حاجة فيه لما فعل به ذلك.
وهكذا ظل أيوب تمر عليه السنة تلو السنة وهو جسد ملقى في عريشه لا يصدر عنه حركة إلا حركة لسانه في فمه بذكر الله, ولا يسمع منه إلا صوت يردد اسم الله.
كانت رحمة زوجة أيوب تقوم بخدمة الناس لتكسب لها ولأيوب من طعامهما, وما يقوم بأودهما. ثم تعود إليه في نهاية اليوم بما تيسر لها الحصول عليه من طعام تطعمه وتسقيه, وتقضي الليل بجانبه؛ فإذا أصبح الصباح عاودت ما فعلته بالأمس.
ولكن هذه الحالة لم تدم لاشمئزاز الناس الذين كانت تقوم بخدمتهم, لعلمهم أنها تقوم على خدمة أيوب المبتلى, وعلى غسل جروحه وتضميد قروحه, فأظهروا لها الامتعاض من خدمتها لهم, ثم طردوها من خدمتهم.
فأصبحت"رحمة"بلا عمل وسدّت منافذ الكسب في وجه رحمة!
وفكرت رحمة وهداها تفكيرها إلى أن تذهب مع الصباح إلى سوق في ظاهر المدينة, ويدها قابضة على حزمة ملفوف بها شيء يبدو أنها تحرص عليه, وتعول من ورائه على خير كثير.
وبلغت رحمة السوق, واتجهت إلى الجانب الذي تعرض فيه حاجات النساء من زينة وعطر وملبس, وفتحت لفافتها بيد مرتعشة, وجلست مع البائعات, وكانت بضاعتها ضفيرة من الخيوط الذهبية الطويلة الناعمة, كانت بالأمس نصف شعرها, فباعتها إلى أحد النساء وأخذت ثمنها.
وابتاعت رحمة بثمن شعرها طعاما وشرابا, وعادت إلى زوجها تطعمه وتسقيه, فقد كانت برّة وفية بزوجها.
وبعد أن نفد ثمن شعرها ما بقي لها شيء تبيعه.
ولكن أيوب كان على صلابته وقوته, ويئس الشيطان فكر في رحمة فذهب إليها وملأ قلبها باليأس حتى ذهبت إلى أيوب تقول له:
حتى متى يعذبك الله, أن المال والعيال والصديق والرفيق, أين شبابك الذاهب وعزك القديم؟
وأجاب أيوب امرأته: لقد سوّل لك الشيطان أمرا .. أتراك تبكين على غرفات وولد مات؟
قالت: لماذا لا تدعو الله أن يزيح بلواك ويشفيك ويكشف حزنك؟
قال أيوب: كم مكثنا في الرخاء؟!!
قالت رحمة: ثمانين سنة.