صحيح أن العلاقات بين طهران وواشنطن لم تستأنف، وأن الإدارة الأميركية لا تبخل على النظام الإيراني بالضغوط والحملات، لكن الصحيح أيضًا أن إيران أظهرت براعة في الرقص مع الأميركيين فوق المسرحين الأفغاني والعراقي، وشهدت تهاوي نظامين معاديين لها من دون خسارة نقطة دم واحدة. في الوقت ذاته نجحت في الاحتفاظ بعلاقات صداقة وتشاور مع سورية على رغم اختلاف الحسابات في عدد من الملفات.
أما أخطر ما حققته إيران حتى الآن فهو تحولها لاعبًا مقررًا في المستقبل العراقي، وهي تمتلك على الأقل القدرة على منع قيام عراق معاد لها. وسيكون الأمر بالغ الخطورة إذا تحولت إيران جزءًا من النسيج العراقي الداخلي وبدت في صورة الداعم لشيعة العراق أو الحامي لهم أو العراب لفوزهم بالقسط الأكبر من السلطة.
لا مصلحة للعرب في العداء لإيران أو التحريض عليها. لكن من حقهم الالتفات إلى تقدم موقعها في الإقليم فيما يتراجع موقعهم بفعل الانهيارات المتلاحقة، ثم أن من حقهم الالتفات إلى أن امتلاك إيران ترسانة نووية يجب أن لا يقرأ فقط من زاوية التوازن مع إسرائيل، لأنه يضاعف الخلل أيضًا في ميزان القوى بين إيران والدول العربية.
للعرب مصلحة في أوثق علاقات التعاون مع إيران، لكن من حقهم أن يفكروا في موقعهم المقبل في إقليم الشرق الأوسط خصوصًا إذا اختارت واشنطن الاعتراف لإيران ببعض ما تسعى إلى تكريسه بعد انهيار"البوابة الشرقية"وسيكون ذلك الانتصار أهم بكثير من احتفال خرازي بعبارة"الخليج الفارسي"في المجلة الأميركية.
العلاقات العربية ـ الإيرانية: حدود الانفراج.. وآفاق المستقبل
محمد عز العرب مختارات إيرانية العدد 53 - ديسمبر 2004