ولماذا كان العراق مهد الشيعة؟.. لقد تضافرت عدة أسباب فجعلته كذلك، فـ"علي بن أبي طالب"أقام به مدة خلافته، وفيه التقى بالناس ورأوا فيه ما أثار تقديرهم، ولم يعلنوا الولاء بقلوبهم للأمويين قط، فرماهم"معاوية"في خلافته"بزياد ابن أبيه"فقضى على المعارضة أن تظهر، ولكنه لم يقتلع جذورها من النفوس، ولما مضى"زياد"استمر ابنه على حكمه من بعده في عهد"يزيد بن معاوية"وصار"العراق"أول المنتقضين على الأمويين حتى استقر الأمر"لبني مروان"في عهد"عبد الملك بن مروان"فرماهم"بالحجاج"فاشتد في القمع، وكلما اشتد قمعه اشتد"المذهب الشيعي"في نفوس معتنقيه.
والعراق فوق تلك ملتقى حضارات قديمة، ففيه علوم (الفرس) وعلوم (الكلدان) وبقايا حضارات هذه الأمم وقد ضمت إلى هذا فلسفة اليونان، وأفكار الهنود، وقد امتزجت هذه الحضارات وتلك الأفكار في (العراق) ، فكان المنبت الذي ينبت أكثر الفرق الإسلامية: وخصوصًا ما يتصل فيه بالفلسفة، ولذلك امتزجت بالشيعة آراء فلسفية تتلاءم مع بيئة العراق الفكرية.
وفوق ذلك فإن العراق كان مهد الدراسات العلمية وفي أهله ذكاء، وفيهم تعمق. وقال فيه"ابن خلدون":
"ومما ينقدح لي في الفرق بين هؤلاء القوم وبين العرب الذين حاصروا رسول الله ? وآله، أن هؤلاء من العراق، وساكني الكوفة، وطينة العراق مازالت تنبت أرباب الأهواء، وأصحاب النحل العجيبة والمذاهب البديعة، وأهل الإقليم أهل بصر وتدقيق ونظر وبحث عن الآراء والعقائد، وشبه معترضى المذاهب وقد كان منهم أيام الأكاسرة مثل"ماني"و"ديصان"و"مزدك"وغيرهم، وليست طينة الحجاز هذه الطينة، ولا لأذهان أهل الحجاز هذه الطينة، ولا لأذهان أهل الحجاز هذه الأذهان".
ونرى من هذا أن العراق كان مزدحم الآراء والمعتقدات من قديم، فكان لا بد أن تنشأ فيه المذاهب السياسية والمذاهب الاعتقادية، فلا غرابة أن تنمو الأفكار الشيعية في بيئته...