لقد تطرقت الى ذات الموضوع من قبل، وقلت ان امام الاكراد الآن احد حلين، احدهما حل «امثل» يوفر لهم الحق في تقرير المصير، وتأسيس دولتهم المستقلة، تمهيدا لاستعادة كيانهم الذي تفتت وتمزق في اعقاب الحرب العالمية الاولى، وحل آخر «ممكن» يبقي على الاكراد ضمن حدود الدولة العراقية، وفي ظله تتوفر لهم كل ظروف وحقوق المواطنة، ويتمتعون بنوع من الحكم الذاتي يحفظ لهم هويتهم وخصوصيتهم العرقية.وهو ما اعتبرته عملا ناقصا، ودعوت الى القبول به، لأن من شأن التعلق بالحل الامثل ان يشعل حريقا في المنطقة، ستكون آثاره وبالا عليها، وربما كان الاكراد اكثر الخاسرين بسببه، ذلك ان استقلال كردستان العراق، يمثل دعوة الى اعادة رسم خرائط المنطقة، بما يشكل تهديدا للأمن القومي لتركيا ولايران وسوريا، ولم يعد سرا ان تركيا مستعدة لأن تخوض حربا تستمر سنوات للحيلولة دون انفصال الجزء الذي يسكنه الاكراد في الأناضول، وقد اشرت الى تركيا بوجه اخص، لأن تعداد الاكراد فيها يتراوح بين 10 و 12 مليون نسمة، كحد ادنى، الامر الذي يعني في حقيقته ان القضية الكردية تركية أكثر منها عراقية.
في دفاعي عن فكرة «الحل الناقص» استشهدت بالقاعدة الاصولية والمنطقية التي تدعو الى القبول بالضرر الادنى تجنبا لضرر آخر اكبر وافدح. وهي القاعدة التي تنطبق بشدة على الملف الكردي، باعتبار ان بقاءهم في اطار الدولة العراقية لا يلبي رغبتهم في تقرير المصير الذي يطمحون اليه، لكنه اذا ما حفظ لهم كرامتهم وهويتهم، فإنه يجنبهم ويجنب المنطقة بأسرها ضررا محققا من جراء اعادة رسم خرائطها الجغرافية والسياسية، وما يستصحبه ذلك من شرور لا حدود لها.