وقد تجاوز المذهب الشيعي العابر للحدود بطبيعته، أصول هذا الرجل الذي لم يبد أي تعاطف خاص تجاه إيران موطن أجداده ثم هو ليس عالم الدين الوحيد"الدخيل"الذي تعترف به، دون تحفظ، الطائفة الشيعية في العراق: فمن آيات الله الكبار الثلاثة، اثنان منهم: فياض والنجفي ولدا خارج العراق، الأول في أفغانستان والثاني في باكستان.
وعلى عكس خصمه الكبير آية الله محمد باقر الحكيم القتيل، فضل السيستاني البقاء في العراق. ظل صامتا لكنه كان حاضرًا في الوقت نفسه دون أن يجازف بمجابهة النظام، فقد أراد لنفسه أن يكون حارس المعبد في انتظار نهضة الشيعة. وها هو اليوم يجني ثمار هذا الموقف.
ومنذ أبريل (نيسان) 2003، حرص الأمريكان على عدم مواجهة هذا"الحليف الموضوعي". وهكذا تجنب عسكريو التحالف التمركز داخل المناطق الشيعية الأكثر حساسية كالنجف وكربلاء والعمارة والكوت أو الكوفة، مكتفين بالدخول العابر لها. وقد سلمت السلطة في هذه المناطق إلى بعض الأعيان لتتم مراقبتهم من بعيد.
وقد لا يرغب الشيعة العراقيون في إقامة جمهورية إسلامية على الطريقة الإيرانية. فمبدأ الجمهورية الإسلامية مخالف لتقاليد النجف وكربلاء الصوفية والسياسية التي تدعو إلى فصل الدين عن السياسي. ومع ذلك فإن تداخل التيارات والطموحات والمناورات الخارجية والداخلية قد يدفع إلى العكس. فبعد رحيل صدام حسين انفجر الألم الشيعي الدفين في وضح النهار والتقى بالطموحات الأمريكية والمناورات الإيرانية من أجل بناء كيان عراقي جديد يكون فيه الشيعة هم أصحاب القرار الكبير، تكفيرا عن ذنوب ارتكبوها خلال تاريخهم القديم والحديث. فالشيعة يشعرون بذنب مزدوج:
الأول تخليهم عن الإمام الحسين بن علي ليموت عطشا في أرض كربلاء المقفرة خلال ما بعد الصراع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. والثاني لتخليهم عن مكاسبهم ومواقفهم أثناء تركيب العراق الحديث في سنوات العشرين.