ويجمع المحللون بأن التفجيرين الضخمين اللذين استهدفا مقر الأمم المتحدة والسفارة الأردنية ببغداد، في أغسطس 2003 شكلا منعطف رجحان الكفة للجماعات السنية في ساحة العنف العراقية. لكن جذوة العنف الشيعي لم تنطفئ تماما سوى في ربيع السنة الموالية. ولقد لعب إبراهيم الجعفري دورًا بارزًا في تحقيق ذلك، لا بوصفه بديلا شيعيًا معتدلًا من الطبيعي أن يؤدي بروزه إلى إضعاف حجة المتطرّفين من أبناء طائفته وحسب، بل كان له دور آخر أهم أداه من وراء الكواليس. فالخبراء في الشأن الشيعي يقولون بوجود صلة سرية بين قبول مقاتلي"جيش المهدي"من أنصار مقتدى الصدر بالتهدئة وطرح خيار السلاح جانبا- ولو إلى حين- وبين زيارة سرية قام بها إبراهيم الجعفري، في مطلع أبريل 2004 إلى مقر منفاه الأول في"قم"الإيرانية.
وبالرغم من أن تلك الزيارة اندرجت في الظاهر ضمن زيارات دورية تعوّد الجعفري القيام بها إلى تلك المدينة لقضاء أيام معدودة برفقة زوجته وأبنائه الذين قرروا التريث وعدم استعجال العودة إلى العراق في ظل التوتر الأمني الحالي، وما زالوا يعيشون متنقلين، كسابق عهدهم، بين لندن وقم، إلا أن العارفين بخفايا الأمور رصدوا لقاء سريا بين الجعفري وصديقه القديم علي خامنئي، لالتماس تدخل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، بوصفه مرجعا مسموع الكلمة لدى الشباب الشيعة، لضبط العنف ولجم حماس أنصار مقتدى الصدر. وكذلك كان..
تلك الوساطة كان لها وقع حاسم في إقناع الأمريكيين بأنهم وجدوا في الجعفري حليفًا من المصاف الأول. مما يفسر التصريحات المتعددة التي وردت على لسان أبرز المسؤولين الأمريكيين، من دونالد رامسفيلد إلى كوندوليزا رايس إلى الرئيس بوش ذاته، وكلها تشيد بالجعفري بوصفه سياسيًا"عمليًا"و"معتدلًا"و"جادًا"