وهكذا فإن تشبيه الإله بالمخلوق يجعله مضاهيا له في هيئته وتكوينه وطبعًا المخلوق جسم فيكون الإله جسما ويوصف بالجسمية، ولأن المخلوق له حيز لجسمانيته فهم ـ أي المشبهةـ يجسمون الله بشكل معين ويجعلون له مكانا محددا.
فالتجسيم إذن ناتج عن التشبيه وقد يستعملان في صعيد واحد ويؤديان معنى مشتركا.
وقد بدأ القول بالتشبيه في الإسلام ـ أو بمعنى أدق في الفكر الإسلامي ـ على أيدي غلاة الشيعة"إذ أن جماعة منهم صرحوا بالتشبيه" ( ) .
ويقول الشهرستاني"وكان التشبيه بالأصل والوضع في الشيعة ( ) ثم انتقل منهم إلى غيرهم، واعتبره الشهرستاني إحدى بدع الغلاة الأربعة المشهورة ( ) ."
وقد اعتنقه كثير من الغلاة، وصار هو والتجسيم من عقائدهم الرئيسية بل"كان التجسيم مبدأ مشتركا بين جميع فرق الغلاة. والعلة في اجتماعهم عليه هو أنهم ركزوا اهتمامهم في الارتفاع بالإنسان مرة حتى يصير إليها، والنزول بالإله حتى يصير إنسانا. فعقيدتهم في جدلهم الصاعد والنازل تعتمد على إله وإنسان وكلها تدور حول الارتفاع بهذا الإنسان فحاجتهم إلى التجسيم أشد من حاجتهم إلى التجريد، فهم لا يستطيعون تجريد المادة الحية السائرة الآكلة الشاربة وإنما يستطيعون أن يجسموا المجرد لتقريب فكرة تأليه الإنسان ( ) ."
ومن أجل ذلك"سرت شبهات اليهود والنصارى في أذهان الغلاة، إذ اليهود شبهت الخالق بالخلق، والنصارى شبهت الخلق بالخالق ( ) ".
ومعنى هذا أن كلا من التجسيم والتشبيه قد يؤدي إلى القول بالحلول وهو ما عناه الشهرستاني بقوله"ومن المشبهة من مال إلى مذهب الحلولية، وقال يجوز أن يظهر الباري تعالى بصورة شخص كما كان جبريل عليه السلام ينزل في صورة أعرابي، وقد تمثل لمريم بشرا سويا ( ) "ثم يقول:"والغلاة من الشيعة مذهبهم الحلول أي أنهم مشبهة وذهبوا إليه نتيجة التشبيه ( ) ."