"لاقى تاريخ القرامطة في العصر الحديث، وما زال يلاقي عناية كبيرة من قبل عدد كبير من الباحثين... وتتفاوت دوافع الباحثين: فبعض المستشرقين قد بحث تفتيشًا عن التناقضات في تاريخ العرب والإسلام، وبعض آخر استهدف التعرف إلى حقائق تاريخية وقعت، أما بالنسبة للعرب فبعضهم بحث انطلاقًا من قاعدة الأوائل في الملل والنحل، ولم يخرج عن نطاق الكفر والإيمان والحلال والحرام إلاّ قليلًا، وبعضهم الآخر آمن بالاشتراكية فأخذ يبحث في التراث عن السوابق".
هكذا يبدأ د. سهيل زكار التقديم لكتابه (أخبار القرامطة في الإحساء ـ الشام ـ العراق ـ اليمن) الصادر عن دار الكوثر في الرياض سنة 1410هـ (1989م) في حين صدرت طبعته الأولى قبل ذلك بأربع سنوات.
وينبه المؤلف في مقدمته إلى أن هذا الاهتمام بالقرامطة يبعث على الارتياح، لكنه في الوقت نفسه يثير شيئًا من القلق والارتياب، وعلى حد تعبير المؤلف، فإن بعض الكتاب العرب أراد"عصرنة حركة القرامطة"بجعلها تشبه بعض ما شهده عصرنا من حركات، ويشير إلى أن جل الباحثين ركز جهوده على قرامطة العراق والإحساء، وأهمل قرامطة اليمن، وقرامطة الشام، فأراد د. زكار أن يجعل كتابه الذي تجاوزت عدد صفحاته الـ 700، موسوعة مختصة بالقرامطة تراعي الحقائق الموضوعية والرؤى التحليلية ـ على حد قوله ـ .
الفصل الأول: الدعوة الإسماعيلية وقيام الدولة الفاطمية
وقبل الشروع بلُبّ الموضوع، وهو"القرامطة"، قدّم المؤلف بتمهيد من عدة مباحث عن تاريخ الخلفاء الراشدين، والأمويين، والعباسيين، ثم تحدث عن الدعوة الإسماعيلية المبكرة، وقيام الدولة العبيدية الفاطيمة، في الشمال الأفريقي في بادئ الأمر، ثم في مصر، وهي الدولة التي خرج القرامطة الإسماعيلية من عباءتها، مخصصًا لذلك الفصل الأول من كتابه.