وأي شيء أدعى للاعتزاز والفخر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذين بني الإسلام على أكتافهم، وانتشر في الآفاق بفضل جهادهم، وفتحوا الممالك بسواعدهم، وهم كانوا قلة مستضعفين، لا عدد ولا عدة، فناضلوا الفرس والروم، فاستولوا على ملك الأكاسرة والقياصرة؟!
وهذا المذهب يكفرهم ويفسقهم، ويسطر المثالب فيهم وفي أكابرهم واحدا واحدا، ولا يستثني إلا قلة، ذكر عددهم وهم لا يجاوزون أصابع اليد.
وأخيرا، إننا نريد الاستقلال لنا وللعرب، وهذا المذهب يجعلنا تابعين للإمام المنتظر، ومن يعينه الإمام المنتظر، وهو في سرداب في سامراء لنكون تابعين لغيرنا..
في حياتي كلها لم أثر جدلا دينيا بيني وبين طائفة من الطوائف التي تنتمي إلى الإسلام، ولم أعرض لمناقشتهم، ولا لبيان خطئهم، لأني أعلم أن ذلك يثير الفرقة والانقسام، وإني من الدعاة إلى الوحدة الإسلامية والترابط بين المسلمين وإن اختلفت مذاهبهم وتباينت نحلهم، ولكنني أجدني في هذا الوقت مضطرا إلى الخوض فيما كنت أتحاماه، والانغماس فيما كنت أتحاشاه.
وحسبي الآن شاهدا ما أختم به كتابي هذا، من رسالة لبديع الزمان الهمذاني، تصور ما كان في زمنه بين الطائفتين من نزاع وصراع، نعوذ بالله منه، قال:
(ألا وإن في صدري لغصّة، وإن في رأسي لقصّة، وإن لكل مسلم فيها لحصة، وإن في هذا المقام فيها لفرصة، وقد سمع الشيخ الرئيس أخبار عضد الدولة أبي شجاع، وما أوتي من بسطة ملك وباع، ويد في الفتوح صناع، وخطا في الخطوب وساع، إن كان ليقول: ملكان في الأرض فساد، وسيفان في غمد محال،ولم يرض أن يلي الأرض بطاعة معروفة، حتى يجعلها قبضته، فأعدّ للبحر مراكب، وللبر مصانع، وللحصون مكايد، وكاد وهمّ، ولو عمر لتم، ثم عجز ـ والقدرة هذه ـ أن يعمر التربتين الخبيثتين، أو يصلح البلدتين المشئومتين [قُمّ والكوفة] فعلم أن ذلك الخبث نحلتهما، فهمّ أن يسبي ويبيح، ثم فرض الجزية عليهم أو يقيموا التراويح.