وأدت هذه العلاقة الوثيقة بين السلطان السلجوقي ملكشاه ووزيره الفذ نظام الملك إلى ازدهار الدولة وبلوغها ذروة المجد، فاتسعت حدودها، حتى شمل سلطانها بلاد الشام، وأجزاء من بلاد الروم، ومدت نفوذها إلى كرمان وآسيا الصغرى وأصبحت دولة مترامية الأطراف تمتد من الصين والهند شرقًا، إلى البحر الأبيض المتوسط غربًا.. بل صارت أكبر قوة في العالم آنذاك.
المدارس النظامية
لم يكن نظام الملك وزيرًا لامعًا ، ـ أو رئيس وزراء كما يعرف هذه الأيام ـ وحسب بل كان راعيًا للعلم والأدب، ويحفل مجلسه بالعلماء والفقهاء والأدباء، بل كان هو أحد هؤلاء العلماء والفقهاء، وكان حريصًا على نشر العلم ومذهب أهل السنة الذي حاربه وحاول طمسه البويهيون والعبيديون الشيعة، فأسس نظام الملك المدارس لتلك الغاية، وعرفت بـ"المدارس النظامية".
وقد تأسس ما يمكن اعتباره"الفرع الأول"من هذه المدارس في بغداد سنة 457هـ على نهر دجلة، وانفق نظام الملك على بنائها 200 ألف دينار، وبنى حولها أوقافًا تكون وقفًا عليها، وأقام بها العديد من المرافق والخدمات لتشجيع الطلاب على الدراسة فيها.
وبعد بغداد، انتشرت هذه المدارس في نيسابور وبلخ وهراة وأصبهان والبصرة ومرو وطبرستان والموصل... وتخرج من المدارس النظامية عدد من العلماء الذين كان لهم شأن كبير بعد ذلك منهم:ابن عساكر، والعز بن عبد السلام،وابن رافع الأسدي المعروف بابن شداد.
وممن درّس في هذه المدارس أبو حامد الغزالي، والجويني المعروف بإمام الحرمين، وقطب الدين الشيرازي، وابن شداد، وابن الجوزي، والسهروردي...
وألحق نظام الملك بالمدرسة بناء خاصًا بالمكتبة،التي كانت تضم أكثر من عشرة آلاف مجلد في شتى الفنون وأبواب العلم، وشغل منصب"أمين المكتبة"فيها علماء ذوو شأن منهم أبو يوسف الإسفراييني، وأبو مظفر الإبيوردي، والخطيب التبريزي..