كل الطوائف اللبنانية بقيت تخشى على نفسها، ومعها كل الحق، قبل العهد العثماني غير الميمون وبعده، وبقيت تخاف من الاستيعاب والإذابة إلا الطائفة السنية فإنها بقيت تتصرف وتعمل وتمارس السياسة على أساس أنها الأكثرية وعلى أساس أن عمقها العربي يشمل الوطن العربي كله ولهذا فإن علاقاتها الداخلية بقيت تتأثر وبحدود كبيرة بالمحاور والإستقطابات العربية بين مؤيدي الغرب الرأسمالي ومؤيدي الشرق الاشتراكي والشيوعي وبين ما كان يسمى بـ «التقدميين» وما كان يسمى بـ «الرجعيين» !!.
وكل الطوائف اللبنانية بادرت بعد الحرب الأهلية الأخيرة وعشية اندلاعها في منتصف عقد سبعينات القرن الماضي إلى تشكيل ميليشياتها وجيوشها الخاصة باستثناء الطائفة السنية فإنها بقيت باستثناء تجربة إبراهيم قليلات و «المرابطون» في شارع من شوارع بيروت الغربية بدون ميليشيا طائفية واحدة موحدة تمثل الطائفة كلها على غرار حزب الله وحركة «أمل» بالنسبة للشيعة والقوات اللبنانية بالنسبة للموارنة وقوات الحزب التقدمي الاشتراكي بالنسبة للدروز.
لقد أطلق مفتي لبنان الأسبق الشيخ حسن خالد ذلك الشعار القائل: «إن المقاومة الفلسطينية هي جيش المسلمين» ويومها كانت الساحة اللبنانية قد بدأت تتحول إلى لوحة فسيفسائية طائفية «ميليشياوية» ويومها أنفرط عقد الجيش اللبناني وأنحاز ضباطه وجنوده كل إلى ميليشيات طائفته ولقد دفعت الطائفة السنية بعد رحيل منظمة التحرير ثمنا غاليا عندما تعرضت لسلسلة اغتيالات طالت معظم قادتها ورموزها والسبب أن إضعافها وتغييبها هي والطائفة المارونية غدا شرطا من شروط الإخلال بالمعادلة الطائفية اللبنانية السابقة ولصياغة معادلة جديدة تتماشى مع زحف النفوذ الإقليمي نحو لبنان ومع التطلعات الإيرانية ـ الفارسية بعد انتصار الثورة الخمينية لنفوذ في المنطقة يتناسب مع حجمها ومع إمتداداتها المذهبية والسياسية في هذه المنطقة.