وبالعودة إلى حديثنا، فهناك نماذج كثيرة في الحاضر والغابر، بعضها محزن وقاس، وبعضها طريف ويدخل في باب النكات، وقصصهم وجدت طريقها إلى كتب النوادر تحت اسم «نوادر المتنبئين» ، خصوصا في عهد الخليفة العباسي «المهدي» ، والذي كان هو بدوره أحد مدّعي المهدوية، حسب مخطط والده الخليفة العباسي أبى جعفر المنصور، من اجل إكسابه هذه الصفة الملحمية المسيطرة بسلطان التفويض الإلهي، وصفه بذلك ومنحه هذه الخاصية من أجل قطع الطريق على خصومه من العلويين الذي يرون انهم هم معدن المهدوية.
وتقول الأخبار المروية أن مهدي آخر الزمان منهم. المفارقة أن العباسيين إنما خرجوا في ظل عباءة شرعية العلويين، وثاروا باسم «الرضا من آل محمد» ، وهو الشخص الذي كان الناس يتكتلون ضد الأمويين حوله، دون الإفصاح عن اسمه علانية، خوفا من بطش الأمويين وحرصا على السرية. فلما نجحت ثورة العباسيين، نكلوا بالعلويين، أضعاف ما فعل الأمويون، ويكفي ما صنعه المنصور في أبناء عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبى طالب، من مجازر.
هي السياسة، قاتلها الله، تتوسل بكل شيء، حتى بالنقي من المعاني، من أجل غايتها، ففكرة المهدي، بصرف النظر عن معناها المباشر أو الحرفي، هي تعبير عن الشوق الإنساني العارم إلى العدالة.
والعبرة من هذا الحديث، أن السياسة لها شروطها، والمواعظ وأخبار آخر الزمان لها مجالها. لأن الغيب لا يعلمه إلا الله.