ولما وصل هذا الجمع الحاشد إلى قصر الإمارة، ورآه الأمير، هاله ذلك المنظر، وسأل عنهم، فقيل له إنهم جاءوا يشتكون، فأدخل بعضهم عليه، وأخذ شيخهم يشتكي ابن تيمية، ويدّعي أنه اعتدى عليهم، وطلب شيخ الصوفية من الأمير أن يقف في صفهم، فرفض الأمير قائلًا أنه سيشهد من الحق سواء كان معهم أو مع ابن تيمية، وأرسل في طلب ابن تيمية بناءً على طلب شيوخ الصوفية.
يقول ابن تيمية عن الأمير:"فأرسل إلي بعض خوّاصه من أهل الصدق والدين ممن يعرف ضلالهم، وعرفني بصورة الحال، وأنه يريد كشف أمر هؤلاء. فلما علمت ذلك ألقي في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين، وكشف حال أهل النفاق المبتدعين، لانتشارهم في أقطار الأرضين. وما أحببت البغي عليهم والعدوان".
وقبل الذهاب إلى اللقاء أو الاجتماع الموعود بحضرة الأمير، أخذ ابن تيمية بالتفكير بذلك اللقاء والفائدة المرجوة منه، ويقول:"فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته، واستنصرته واستهديته، وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك، حتى ألقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك، وأنها تكون بردًا وسلامًا على من اتبع ملة الخليل، وأنها تحرق أشباه الصابئة أهل الخروج عن هذه السبيل".
أما الرفاعية، فأخذوا يستعدون لتلك المناظرة، واتصلوا بعدد من القادة كي يقفوا في صفهم"وطافوا على عدد من أكابر الأمراء، وقالوا أنواعًا مما جرت به عادتهم من التلبيس والافتراء، الذي استحوذوا به على أكثر أهل الأرض من الأكابر والرؤساء، مثل زعمهم أن لهم أحوالًا لا يقاومهم فيها أحد من الأولياء، وأن لهم طريقًا لا يعرفه أحد من العلماء... وأن المنكر عليهم هو آخذ بالشرع الظاهر، غير واصل إلى الحقائق والأسرار".
وعند وصول ابن تيمية إلى مكان الاجتماع، وجد النفوس"في غاية الشوق من هذا الاجتماع، متطلعين إلى ما سيكون طالبين للاطلاع".