صعق كثيرون من رسالة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للرئيس الأميركي، ليس لأنه بادر بمراسلة بوش فقط، بل أهم من ذلك، المفاجأة كانت في المحتوى. فقد قرأها العرب على أنها دليل على ما كان يشاع في المنطقة أن إيران مستعدة للتفاهم مع الأميركيين، وأن كل ما صدر عنهم من عداء فكري واستراتيجي، والسير بالأحذية القذرة على العلم الأميركي، والاستعداد للحرب، مجرد واجهة دعائية لتضليل الحانقين العرب.
والحانقون العرب دائما يلتقطون فقط الإشارات التي تلائم تفكيرهم ويهملون كل القصة، ويقسمون العالم حولهم إلى مع وضد الولايات المتحدة دون التدقيق في التفاصيل، ودون فهم مطاطية السياسة. الإيرانيون لم يكونوا أبدا أعداء لواشنطن بنفس المستوى الذي يزعمونه. خلال السنوات الأربع الماضية تعاونوا ميدانيا بشكل لم تجاره أي دولة عربية في نوعه وأهميته. فالولايات المتحدة يوم غزت أفغانستان رفضت معظم الدول العربية تقديم أي نوع من المساعدة، ورفضت دول صديقة مثل السعودية السماح لأسراب الطائرات الأميركية الغازية المرور عبر أجوائها. إيران لم توافق فقط على فتح الأجواء للقوة الجوية، بل أيضا وقعت اتفاقا يسمح للقوات الأميركية بالهبوط وتقديم العون في حال سقوط طائراتها. كما قدمت في حرب العراق الكثير من التنازلات، وأهم من ذلك تعهدت بإلزام القوى العراقية المحسوبة عليها بالتعاون مع القوات المحتلة، ولا تزال القوات الإيرانية تقف محايدة في الحرب. المحصلة إن الولايات المتحدة أسقطت أسوأ نظامين يعاديان إيران.
اليوم الجانبان على مفترق طرق، فإيران تشعر بالثقة بعد إزاحة أميركا نظامي طالبان وصدام، وتحالف سوريا و «حزب الله» و «حماس» مع طهران، وتشعر أنها تأخذ مائة وعشرين ألف جندي أميركي في العراق رهينة. ومن هنا نفهم استعجال إيران على التخصيب، والمساومة الصريحة من الرئيس نجاد للرئيس بوش بأن تكون إيران القوة الإقليمية بما تعنيه من نفوذ وهيمنة سياسية.