3ـ وقوف أهل السنة في صف أبي يزيد ضد العبيديين، رغم علمهم بانتمائه إلى الخوارج، وتحديدًا إلى الإباضية النكّارية ( ) ، الذين دأبوا على توجيه سهامهم إلى المسلمين.
وكان بعض علماء أهل السنة يرون أن خطر الخوارج أقل من خطر العبيديين الإسماعيليين، وقال أحدهم، وهو أبو بكر المالكي:"إن الخروج مع أبي يزيد الخارجي، وقطع دولة بني عبيد فرض، لأن الخوارج من أهل القبلة، لا يزول عنهم الإسلام ويرثون ويورثون. وبنو عبيد ليسوا كذلك لأنهم مجوس زال عنهم اسم المسلمين، فلا يتوارثون معهم، ولا ينتسبون إليهم" ( ) . وقال آخر، وهو أبو إسحاق الفقيه:هم أهل القبلة (أي الأباضيين) وأولئك (العبيديون) ليسوا أهل القبلة، وهم بنو عدو الله، فإن ظفرنا بهم لم ندخل تحت طاعة أبي يزيد لأنه خارجي" ( ) ."
وهكذا تهيّأت الظروف لأبي يزيد لقتال العبيديين، وكان عمره قد جاوز الستين، وسارع أهل السنة لمساعدته ودعمه"وتسارع الفقهاء والعبّاد في أهبة كاملة بالطبول والبنود، وخطبهم في الجمعة أحمد بن أبي الوليد، وحرضهم، وقال: جاهدوا من كفر بالله، وزعم أنه رب من دون الله، وغيّر أحكام الله، وسبّ نبيه. فبكى الناس بكاءً شديدًا، وقال: اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بابن عبيد الله المدعي الربوبية جاحد لنعمتك، كافر بربوبيتك، طاعن على رسلك، مكذب بمحمد نبيك، سافك للدماء، فالعنه لعنًا وبيلا، واخزه خزيًا طويلًا، واغضب عليه بكرة وأصيلًا، ثم نزل، فصلى بهم الجمعة" ( ) .
وحقق أبو يزيد في بادئ الأمر انتصارات كبيرة على العبيديين وجيوشهم في المغرب العربي، وكاد يقضي على دولتهم، حتى أنه لم يبق للعبيديين سوى مدينة المهدية. ومات القائم سنة 334 هـ (946 م) ، وأخفى العبيديون خبر موته لئلا يشد ذلك من عزم أبي يزيد، وتولى ابنه إسماعيل الحكم مكانه، وتلقب فيما بعد بلقب"المنصور بنصر الله".