فهرس الكتاب

الصفحة 4206 من 7490

ويختلف الباحثون الأميركيون مرةً أخرى في الخصوصية المُدَّعاة بين الولايات المتحدة والدين المسيحي؛ رغم إجماعهم على أهمية الدين في الحياة الخاصة والوطنية في الولايات المتحدة. فَطَوَالَ مائتي عام الأولى من الوجود البريطاني في ما صار يُعرفُ بالولايات المتحدة الأميركية، تدفقت عليها جماعاتٌ مُهاجرةٌ بروتستانتية من ألمانيا ووسط أوروبا، كانت تُعاني من الاضطهاد أو الفقر أو الاضطراب الديني والجيوسياسي خلال حرب المائة عام في أوروبا كما هو معروف. وقد جاء هؤلاء يحملون العزيمة والأمل في حريةٍ دينيةٍ، وفي إنشاء مملكة الله على الأرض في الدنيا الجديدة بعد أن عجزوا عن ذلك في دنياهم القديمة. إلى هنا فالأمر واضحٌ ومفهوم؛ بيد أنّ الدولةَ الأميركية ليست دولةً دينيةً، فلماذا لم يحقّق آباءُ الاستقلال الأوائل أملَ الملايين؟ يقول البعضُ بل إنهم حققوه عن طريق الدولة المدنية التي لا تُعادي الدين ولا تستتبعُهُ، وتترك له إمكانيات الحرية والازدهار. فالعلاقةُ بين الدين والدولة في الولايات المتحدة تتميز عن النموذج الفرنسي القاطع بين الطرفين، وعن النموذج البريطاني الذي يفصلهما في المؤسسات، ويجمعهما في رأس الدولة من خلال الملك. وقد اختار واضعو الدستور، وآباءُ الاستقلال الحلَّ الثالث: حلَّ الحرية من الناحية التنظيمية، وهي حريةٌ مصونةٌ بالدستور للدولة (لتدير شؤون الناس على اختلاف فئاتهم وأديانهم) وللدين (بعدم التبعية لأحدٍ في شؤون العبادة والتعليم وممارسة النشاط الديني أو التبشير) . وبسبب هذه التجربة الخاصة، والحلّ المبتكَرَ، ظلَّ الإحساسُ الرساليُّ قويًا لدى سائر الأميركيين المتدينين وغير المتدينين؛ بحيث يتحدث الجميع اليومَ عن"ديانةٍ عامة"أو أعراف دينية، تسودُ 80% من الحياة الأميركية، كما أنّ 70% من الأميركيين يعلنون أنهم متدينون؛ في حين لا يفعلُ ذلك أكثر من 14% في البلدان الأوروبية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت