ويطرح الملحدون والليبراليون تفسيرًا آخر لظهور الدولة المدنية في الولايات المتحدة الأميركية. فآباءُ الاستقلال وروّادُهُ الأوائل وقفوا في وجه الميول الدينية الجارفة، وأبوا الرجوعَ إلى تجربة الكنيسة الكاثوليكية التي دمجت الدولة بالدين في شخص البابا، وتسببت بالانشقاق الكاثوليكي/ البروتستانتي، وبالعلمانية المعادية للدين. ولذلك فقد كانت"الدولةُ المدنية"الدستورية، ضمانًا لعدم استيلاء الجماعات الدينية المتشددة على الدولة والشأن العامّ؛ ولو من خلال الانتخابات. وما عاد ذاك الخَطَرُ قائمًا منذ القرن التاسع عشر بسبب ظهور جماعات دينية قوية أُخرى غير البروتستانت، هي الجماعاتُ الكاثوليكية. وهم يتخوفون الآن بسبب ثوران الجماعات الإنجيلية الجديدة، أن يحدُثَ صدامٌ بين المتدينين في تنافُسِهِمْ على الدولة والمجال العامّ.
بيد أنّ مخاوفَ الليبراليين خاصةً تمضي في اتجاهٍ آخر. فبسبب إقبال الإنجيليين الجدد على التصويت، تدرك الأحزاب السياسية أنّ هؤلاء صاروا قوةً حقيقيةً يُحسَبُ لها حسابٌ كبير. ولذلك فقد يستغلُّون تلك القوة التصويتية بمجاملتهم في نقاطٍ عقائدِية تتعدى الدستور، وتتخطى الحريات المدنية؛ مثل معارضة الزواج المدني، والإجهاض، وملاحقة مثليي الجنس... مقابل الحصول على تأييدهم في المسائل السياسية الداخلية والخارجية. لقد بدأ ذلك في رئاسة رونالد ريغان، وما سار فيه بوش الأب، ولا كلنتون، لكن رُعاةُ حملة بوش الابن الانتخابية، استخدموه منذ عام 1998 وحتى اليوم. والواقع أنّ"المحافظين الجدد"الذين سيطروا خلال فترة بوش، لا يهتمون بالسياسات الداخلية؛ بل بدور أميركا في العالم. ولذلك ففشَلَهُم وتضاؤل نفوذهم الآن، لن يؤثّر على علاقة بوش بالإنجيليين الذين يهتمون أيضًا بمصائر إسرائيل لكنّ أولوياتهم داخلية، وما يزال الرئيس بوش سائرًا فيها.