ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أول خلاف وقع بين الصحابة اختلافهم فيمن يتولى الخلافة عنه، ومع أنه كان خلافًا في أمر من أشد شؤون الجماعات والأمم خطرًا، وهو الرئاسة العليا للدولة، فقد كان حديثهم وتبادلهم للآراء ودفاع كل منهم عن رأيه، وانتهاؤهم إلى الرأي الذي وافقوا عليه جميعًا، لقد كان ذلك عجبا من العجب، في ضبط النفس، وحسن الأداء، وحرمة الصحبة، ونشدان الحق، لا نعرف له مثيلا في تاريخ المجالس النيابية في العصر الحاضر، فكيف بتلك العصور التي لم تعرف فيها الأمم مبدأ الشورى، ولا كان للشعوب حق في اختيار ولاتها وأمرائها.
إنك لتقرأ في مصادر التاريخ الصحيحة أخبار سقيفة بني ساعدة، كيف اجتمع فيها الأنصار عقب وفاة الرسول ليختاروا من بينهم أمير المسلمين وخليفته من بعده، وكيف سارع شيوخ المهاجرين وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، إلى إخوانهم الأنصار، وكيف استمعوا إلى حججهم بأدب واحترام، وكيف أدلى أبو بكر برأيه ورأي المهاجرين، فوفّى الأنصار حقهم من فضل النصرة للإسلام والذود عن رسول الله، وإيواء المهاجرين والترحيب بهم، ثم ذكر فضل المهاجرين بلا تبجح ولا غرور.