حين نشأت (أهل السنة والجماعة) لم تكن فرزا طائفيا داخل الأمة، بل تمييزًا للتيار العام فيها عما خرج عليه من فرق ومذاهب جديدة، لذلك اتسعت مظلتهم لتشمل عموم الأمة ممن لم يغرقوا في الأهواء والبدع، وهو ما يؤكده حديث الإمام الإسفرائيني (توفي 429 هجريًا) عن (أهل السنة والجماعة) ، فهو يعدد (في كتابه الفرق بين الفرق) [مؤلفه هو الإمام البغدادي ! الراصد] من يشملهم أهل السنة فيذكر فيهم الفقهاء المحدثين والمتكلمين والزهاد المتصوفة وأهل الأخبار والآثار واللغويين والنحاة والقرّاء والمفسرين والمجاهدين في الفتوح، وسائر الأمة ممن لم يعرف عليهم الخروج على المستقر والمعروف في الاعتقاد.
لم يكن تصور (أهل السنة والجماعة) للإسلام مغلقا أو غارقا في الدوجمائية كما قد يبدو من مسلك بعض الجماعات التي تتوسل بالسلفية وتحيلها إلى إطار مغلق، بل كان واسعا يسمح بالاختلاف داخله، ولكنه اختلاف يحدده سقف الانتماء للتيار العام في الأمة عقيدة وانتماء، وهو سقف بدأ بسيطًا عامًا لكنه استوى وأحكم وتبلورت معالمه مع صياغة المذهب بعد فتنة خلق القرآن.
أهل السنة والجماعة يستوعبون في إطارهم كل المسلمين ـ أهل القبة ـ مفترضين أن الأصل فيهم هو البراءة والانتماء للأمة حتى لو وقعوا في أخطاء اعتقادية تدخل في باب التشيع أو الإرجاء أو القدرية، ما دامت مجرد أخطاء أو زلات لم تأخذ بعدًا أيديولوجيا يؤسس لمعتقد جديد مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، وساعتها فقط يحدث الفصل.
ولذلك سنجد فيمن وسعهم (أهل السنة والجماعة) من رمى بشيء من القدرية مثل (وهب بن منبه والحسن البصري ومكحول وقتادة) أو التشيع مثل (طاوس بن كيسان وعدى بن ثابت) أو الإرجاء مثل (محارب وحماد) ، ولم يقل أحد بخروجهم من أهل السنة والجماعة، فقد كانت مجرد ميول أو أفكار لم تستو أيديولوجيا أو تتبلور في مذهب خارج عن الأمة مثلما حدث بعد ذلك في مذاهب التشيع والقدرية والإرجاء.