ليس انحيازًا للسلطان:
ظهور (أهل السنة والجماعة) لم يكن - على غير الشائع خطأ - انحيازا للسلطة أو السلطان، على الرغم مما استقر عليه المذهب من وجوب طاعته ورفض الخروج عليه ما لم يأمر بمعصية، بل جاء ردًا على سعي السلطة لاحتكار الدين ومحاولتها فرض تصورها الاعتقادي على عموم الأمة كما فعل المأمون وعدد من الخلفاء العباسيين الذين تبنوا اعتقاد المعتزلة وحاولوا فرضه على الأمة، كما كان تأكيدا ـ في الوقت نفسه ـ على انفصال العلماء عن سيطرة السلطة ومشروعها.
أهل السنة يلتزمون الطاعة للسلطة ليس انحيازا لها أو خضوعًا، فالذين صاغوا هذا المعتقد - كما في حالة أحمد بن حنبل - كانوا أول من تصدى للسلطة وأكثر من نالهم بطشها، وإنما يلتزمون طاعتها حرصا على الجماعة"فلا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة"، وهي طاعة مشروطة بالا تكون في معصية، والطاعة تكون لسلطة لم تفرط في أهداف الأمة الكبرى، الدعوة والجهاد، فبالدعوة تحفظ الأمة دينها وبالجهاد تحمي بيضتها وترد عدوها، أما إذا خانت السلطة أمتها فلا طاعة لها؛ لأنها حين تخون الأمة، بمنع الدعوة أو بالتفريط في حماية دار الإسلام، إنما تهدد جماعة المسلمين.
إن أهل السنة يرون أن وجود الجماعة وفاعليتها واستمراريتها هو اصل الشرعية وليست السلطة هي أصلها، وفساد السلطة يقلل الشرعية ولكن لا يرفعها عن جماعة المسلمين.
والطاعة واجبة ما وجدت الإمامة، فإن غابت فليس البديل الخروج والتشرذم وتفتيت الأمة، بل اجتناب الفتنة"فإن لم تكن جماعة ولا إمام فكن جليس بيتك ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك".
إنها دعوة لاجتناب الفرقة والتشرذم حتى في غياب الجماعة وهي فرض مستبعد في كل الأحوال"فلا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ـ أو من خذلهم ـ إلى يوم القيامة"، و"الجهاد ماض إلى يوم القيامة لا يضره عدل عادل ولا جور جائر".