وقد جاءت ممارسات الشيعة العملية، منسجمة مع نظرياتهم تجاه الكعبة والحج، ولعله من الضروري هنا أن نستعرض شيئًا من سياسات دولتين شيعيتين، قامتا في إيران قديمًا وحديثًا، إزاء مقدسات المسلمين في مكة المكرمة.
أولًا: الدولة الصفوية
ويتجلى ذلك في التحالف الذي قام بين الصفويين والأوربيين وفي مقدمتهم البرتغاليون، لمهاجمة الدولة العثمانية السنيّة، وبعض الإمارات السنيّة المستقلة، ومعلوم أن التواجد البرتغالي في منطقة الخليج العربي، واحتلال بعض المناطق الإسلامية، كان امتدادًا للحروب الصليبية.
وقد ذكرت المراسلات التي تمت بين ملك البرتغال، والقادة البرتغاليين الميدانيين في الخليج أنه إذا سيطر البرتغاليون على بعض مناطق الخليج كالبحرين والقطيف، فإن الطريق للأراضي المقدسة من ناحية الشرق ستصبح ممهدة للسيطرة البرتغالية على مكة والمدينة، وانتزاع اسم محمد صلى الله عليه وسلم من الجزيرة العربية كلها.
وفي هذا الصدد أرسل القائد البرتغالي، البوكيرك، رسالة إلى أول حكام الدولة الصفوية، الشاه إسماعيل، ليكسب ودّه، ويأمن جانبه، جاء فيها:
"إنني أقدّر لك احترامك للمسيحيين في بلادك، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند، وإذا أردت أن تنقض على بلاد العرب أو أن تهاجم مكة ستجدني بجانبك في البحر الأحمر أمام جدّة أو في عدن أو في البحرين أو في القطيف أو في البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي، وسأنفذ له كل ما يريد" ( ) .
وهكذا لم يجد الصفويون الشيعة مانعًا من مساندة البرتغاليين في محاولتهم الاعتداء على مكة والمدينة، ما دام تحالفهم معهم سيؤدي إلى إضعاف الدول السنيّة.
الشاه عباس والحج