وعندما حذر الأردن الرسمي من السياسة الإيرانية في الإقليم لم يقم بذلك إلا نتيجة لفهم عميق لمستويات التهديد ودراسة سلوك إيران في الإقليم وتبنيها إستراتيجية مضادة. وكذلك استخدام إيران ودعمها لفصائل تتخذ مواقف تصطدم مع مساعي الأردن لترسيخ الأمن الإقليمي. وإذا كان الرأي العام بالفعل لا يرى في إيران مصدرا للتهديد فهذا بعينه يجب أن يقلق الاستراتيجيين الأردنيين، لأنه يعني أن لإيران قدرة اختراق عالية هي بحد ذاتها مصدرا للتهديد.
ثم لماذا يعتبر البعض أن من يعتقد أن إيران تشكل مصدرا آخرا للتهديد يعكس موقف اليمين المتطرف الأميركي أو الإسرائيلي. لماذا هذه الثنائية والتبسيط: إما إيران أو إسرائيل وأميركا؟! بالمناسبة الجمهوريون والديمقراطيون على السواء يرون في إيران تهديدا، وليس فقط اليمين المتطرف. والإصرار على أن اليمين المتطرف هو وحده من يعتبر ذلك إنما نتاج عن عجز استيعاب التعقيد في المواقف السياسية لمختلف اللاعبين في أميركا.
هناك من يستعمل إيران لتضخيم الخطر والحصول على مكاسب انتخابية (جون ماكين) ، لكن هذا لا يعني أن باراك أوباما، على سبيل المثال، سيفتح ذراعية للمشروع النووي الإيراني أو التسامح مع سلوكها في الإقليم. إلا إذا كنا نتكلم عن بعض اليسار الهامشي (أمثال نعوم تشومسكي) .
الأمن الوطني الأردني وتحديد مصادر التهديد يجب أن يترك للأجهزة الرسمية القادرة على فهم المشهد الإقليمي بكليته أمّا موقف الفئات الاجتماعية المختلفة فتعكس فقط مؤشرات الرأي العام ولا تمثل أية قراءة استراتيجية معتبرة. أمّا مقولة أن إسرائيل مصدر تهديد للأردن فهي صحيحة، ولا يختلف عليها اثنان في الأردن. لكن الدعوة لإخراج إيران من الحسابات الأمنية بمثابة تضليل ونتاج عدم فهم بديهيات الدراسات الإستراتيجية.
قصتي مع"حزب الله"
جميلة جابر - النهار اللبنانية