أما الحنابلة فقد اختلفوا في ما يجوز التحكيم فيه فقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد أن التحكيم يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان قياسا على قاضي الإمام، وقال القاضي: يجوز حكمه في الأموال الخاصة كما سبقت الإشارة. ونص موفق الدين بن قدامه: على نفاذ حكم المحكم في المال والقصاص والحدود والنكاح واللعان، قال المرداوي: وهو المذهب (3) .
إذا حكم المحكم فيما لا يجوز له الحكم فيه:
ـــــــــــــــــــــ
إذا حكم المحكم فيما لا يجوز له الحكم فيه كالحكم في حد أو قصاص أو لعان أو غيره مضى حكمه، ولا ينقضه الإمام، ولا القاضي إن حكم صوابا، لأن حكم المحكم يرفع الخلاف، ولكن يؤدب المحكم إن أنفذ حكمه بأن قتل أو ضرب، أما لو حكم ولم ينفذ، فإن القاضي يمضي حكمه وينهاه عن العودة ولا يؤدبه (4) . أما إن لم يصب فعليه الضمان، فإن ترتب على حكمه إتلاف عضو فالدية على عاقلته، وإن ترتب عليها إتلاف مال كان الضمان في ماله (5) .
وقال الشافعية والحنابلة: ليس للمحكم أن يحبس، بل غايته الإثبات والحكم، وقال الغزالي: إذا حكم بشيء من العقوبات كالقصاص، وحد القذف لم يستوفه؛ لأن ذلك يخرم أبهة الولاية (1) . وقال أبن أبي الدم: المذهب أنه لا يحبس، بل ليس له إلا الإثبات، ولا خلاف أنه ممنوع من استيفاء العقوبات إن جوزنا التحكيم فيها، لأنها تخرم أبهة الولاية العامة (2) .
إذا تعدى حكم المحكم غير المتنازعين:
ـــــــــــــــــــ
من المتفق عليه عند الفقهاء أن حكم المحكم لا يلزم غير المتخاصمين؛ لأن مبناه على الرضا فإذا تعدى إلى غيرها لم يلزم، وهذا ما جرى عليه الفقهاء في اللعان والنسب ونحوهما مما سبق ذكره. وفصل الماوردي فيما إذا تعدى الحكم إلى غير المتنازعين فجعله على ضربين:-
الضرب الأول: ما كان منفصلا عن الحكم، ولا يتصل به، إلا عن سبب موجب كتحاكمهما إليه في دين فأقام به مدعيه بينة شهدت بوجوب الدين، وأن فلانا ضامنه لزم حكمه في الدين، ولم يلزم حكمه في الضمان لوجود الرضا ممن وجب عليه الدين، وعدم الرضا ممن وجب عليه الضمان.
الضرب الثاني: أن يكون متصلا بالحكم، ولا ينفصل عنه، إلا بسبب موجب كتحاكمهما إليه في قتل خطأ قامت به البينة ففي وجوب الدية على العاقلة التي لم ترض بحكمه وجهان: