شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا"، وقال تعالى:"ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به"، وهذا الخوف المذكور ههنا هو المعني بقوله تعالى:"فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها"، وحظر الله على الزوج أخذ شئ مما أعطاها إلا على شريطة الخوف منهما ألا يقيما حدود الله، فأباح حينئذ أن تفتدي بما شاءت، وأحل للزوج أخذه فكيف يجوز للحكمين أن يوقعا خلعا أو طلاقا من غير رضاهما، وقد نص الله على أنه لا يحل له أخذ شئ مما أعطى إلا بطيبة من نفسها ولا أن تفتدي به فالقائل بأن للحكمين أن يخلعا بغير توكيل من الزوج مخالف لنص الكتاب."
وقال أيضا: إن في فحوى الآية ما يدل على أنه ليس للحكمين أن يفرقا وهو قوله تعالى:"إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما"، ولم يقل إن يريدا فرقة، وإنما يوجه الحكمان ليعظا الظالم منهما وينكرا عليه ظلمه، وإعلام الحاكم بذلك ليأخذ هو على يده، فإن كان الزوج هو الظالم أنكرا عليه ظلمه، وقالا له: لا يحل لك أن تؤذيها لتخلع منك، وإن كانت هي الظالمة قالا له: قد حلت لك الفدية وكان في أخذها معذورا لما يظهر للحكمين من نشوزها فإذا جعل كل واحد منهما إلى الحكم الذي من قِبَلِهِ ماله من التفريق والخلع كانا مع ما ذكرنا من أمرهما وكيلين جائز لهما أن يخلعا إن رأيا وأن يجمعا إن رأيا ذلك صلاحا فهما في حال شاهدان، وفي حال مصلحان، وفي حال آمران بمعروف وناهيان عن منكر، ووكيلان في حال إذا فوض إليهما الجمع والتفريق. وأما قول من قال: إنهما يفرقان ويخلعان من غير توكيل من الزوجين فهو تعسف خارج عن حكم الكتاب والسنة (1) .
واحتج من قال بأنهما حاكمان بأدلة كثيرة منها:-
أن رجلا وامرأة أتيا، عليا مع كل واحد منهما فئام من الناس فقال علي رضي الله عنه: ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها فبعثوا حكمين ثم قال علي للحكمين: هل تدريان ما عليكما من الحق؟ عليكما من الحق إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله علي ولي، فقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت حتى ترضى بما رضيت به وهذا يدل على أنه أجبره على ذلك، ويروى أن عقيلا تزوج فاطمة بنت
عتبة فتخاصما فجمعت ثيابها ومضت إلى عثمان فبعث حكما من أهله عبد الله بن عباس وحكما من أهلها معاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فلما بلغا الباب كانا قد غلقا الباب واصطلحا.