إن الله تعالى قد نصبهما حكمين، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين، ولو كانا وكيلين لقال: فليبعث وكيلا من أهله، ولتبعث وكيلا من أهلها، فلو كانا وكيلين، لم يختصا بأن يكونا من الأهل.
إن الله جعل الحكم إليهما فقال:"إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما"، والوكيلان لا إرادة لهما إنما يتصرفان بإرادة موكلهما.
إن الوكيل لا يسمى حكما في لغة القرآن، ولا في لسان الشارع، ولا في العرف العام ولا الخاص، فإن للوكيل أسم في الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بين الله سبحانه وتعالى كل واحد منهما فلا ينبغي لأحد أن يركب معنى أحدهما على الآخر فذلك تلبيس وإفساد للأحكام، وإنما يسير المحكمان بإذن الله، ويخلصان النية لوجه الله، وينظران فيما عند الزوجين بالتثبيت، فإن رأيا للجمع وجها جمعا، وإن وجداهما قد أنابا تركاهما.
الحكم من له ولاية الحكم والإلزام، وليس للوكيل شيء من ذلك.
الحكم أبلغ من حاكم، لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على الثبوت، ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك، فإذا كان اسم الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض، فكيف بما هو أبلغ منه.
إن الله سبحانه خاطب بذلك غير الزوجين، وكيف يصح أن يوكل عن الرجل والمرأة غيرهما وهذا يحوج إلى تقدير الآية هكذا:"وإن خفتم شقاق بينهما"، فمروهما أن يوكلا وكيلين: وكيلا من أهله، ووكيلا من أهلها، ومعلوم بُعدُ لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير وأنها لا تدل عليه بوجه، بل هي دالة على خلافه.
بعث عثمان بن عفان عبد الله بن عباس ومعاوية حكمين بين عقيل بن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، فقيل لهما: إن رأيتما أن تفرقا فرقتما (1) .
وصح عن علي بن أبي طالب أنه قال للحكمين بين الزوجين، عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما (1) .
فهذا عثمان، وعلي، وابن عباس، ومعاوية، جعلوا الحكم إلى الحكمين، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، وإنما يعرف الخلاف بين التابعين فمن بعدهم.
ومن عرض الرأيين وأدلتهما يظهر رجحان القول بأنهما حاكمان ظهورا بينا، ويتفرع على القول بأنهما حكمان أو وكيلان أمور منها:
إذا قلنا: إنهما وكيلان، فهل يجبر الزوجان على توكيل الزوج في الفرقة بعوض وغيره وتوكيل الزوجة في بذل العوض، أو لا يجبران؟ فإن قلنا: