فهرس الكتاب
وعند الشافعية ينبغي أن يشهد على نفسه في المجلس الذي حكم بينهما فيه قبل تفرقهم، لأن قوله بعد الافتراق لا يقبل، كما لا يقبل قول الحاكم المطلق بعد العزل (3) .
عزل المحكم:
ـــــــ
لكل من الطرفين عزل المحكم قبل الحكم - والرجوع عن التحكيم بمثابة العزل - سواء كانا متفقين أو كان العزل من أحدهما ولم يرض الآخر، وعلى هذا يكون التحكيم من العقود غير اللازمة ويرد هنا استشكال في أن التحكيم يثبت بتراضي الطرفين فيجب أن يثبت العزل أيضا بتراضيهما حتى يكون ذلك كفسخ العقد.
فيرد ذلك بأن من الجائز أن لا يثبت العقد إلا باتفاق الطرفين، وأن ينفرد أحد الطرفين بفسخ ذلك العقد كالمضاربة والشركة، وعلى ذلك للطرفين عزل المحكم، ولو شرط عدم عزله واتفقا على ذلك إذ ليس لهذا الشرط حكم، كما أنه لو شرط عدم عزل القاضي المنصوب من قبل السلطان جاز عزله.
ويتفرع على هذا أنه لو حاكم المحكم الطرفين وقال: إنني أرى المدعي محقا في دعواه فعزله المدعى عليه قبل الحكم، وحكم المحكم بعد ذلك للمدعى فلا ينفذ حكمه، كذلك لو حكم الطرفان حكما ليفصل الست الدعاوى مثلا، ففصل هذا الحكم قضية أو قضيتين لصالح أحد الطرفين، وحكم على الآخر فعزل المحكوم عليه المحكم، فيصح عزله في حق الدعاوى الأخرى، ولا يحق للمحكم الحكم بها، أما حكمه في الدعاوى التي حكم بها فباق ونافذ قبل الحكم.
أما لو عزلاه بعد الحكم فلا يبطل حكمه، لأن هذا الحكم قد صدر من ذي ولاية شرعية فكما لا يبطل حكم القاضي بعزله بعد الحكم، فلا يبطل حكم المحكم أيضا (1) . وهذا عند الحنفية وسحنون -كما سبق الإشارة -.
وحاصل ما ينعزل به المحكم أحد أسباب ثلاثة: بالعزل، أو بانتهاء الحكومة نهايتها بأن كان مؤقتا فمضى الوقت، أو بخروجه من أن يكون أهلا للشهادة بأن عمى أو ارتد والعياذ بالله.
وبالجملة فإن المحكم ينعزل بما ينعزل به القاضي كأن يطرأ عليه ما يفقده صفة من صفات صحة القضاء أو التحكيم، كالجنون والإغماء والخرس أو الفسق - على خلاف في الأخير - أو مرض يمنعه من التحكيم، قال الماوردي: ينقض حكم القاضي وغيره إذا خالف مالا يسوغ فيه الاجتهاد وهو أن يخالف نصا من كتاب الله أو السنة، أو إجماع، أو خالف القياس