غيرهم، لكن المؤمنين يفصل القرآن بينهم والسّلطان مخاطب بإقامة شرع الله وسياسة النّاس به في دينهم ودنياهم.
والقضاء سبيله في فصل الخصومات وإذا كان وازع الدّين في قلوب المؤمنين يحمل عن القضاء الكثير من وقائع الخصومات، ممّا ينصف المؤمنون فيه بعضهم بعضا رغبةً ورهبةً استغفارًا وتغافرًا وتوبةً. إلاّ أنّ هذا الوازع يقوى أو يضعف، وقد يتغافر المؤمنون في صغائر الأمور ويحتاجون في كبارها إلى حكم القضاء لا ريب.
والطّامة حال النّاس مع ضعف وازع الدّين، وتكالبهم على الدّنيا يتنافسوها ولو على حساب دينهم وحيثما ضعف الدّين في النّفوس زاد الظّلم ونما، وكثر الظلم والظّلمة، وتعالت الأصوات وثارت النّفوس وهاج النّاس وماجوا، يأكل القويّ حقّ الضّعيف، وإزاء ذلك يحتاج الحكّام إلى كثرت الأعوان من شرطة تضبّط وقضاة تحكم، رفعا للنّزاع، وردًّا للحقوق إلى أصحابها. ولا ريب أنّ القضاء مرتقى صعب مسلكه لما يحتاج من ضمانات وإثباتات وحجج وبراهين، وإجراءات وتكاليف ويزيد صعوبة عجز المظلوم أو فقره ومدافعة الظّالم عن نفسه، بل مدافعة من يعين الظّالم على ظلمه ممّن يكون ألحن في حجّته، يَخْبُر المداخل والمخارج التّي قد تفوِّت الحقوق، وتحمي الظّالم، وغايته كسب وفير يبرر الوسيلة ولو كانت ظالمة.
ولا تزال أبواب القضاء في بلاد الدّنيا كلّها أكثر الأبواب ازدحامًا، وطول انتظار، حتّى أصبح كثير من أصحاب الحقوق يتردّد في طلب حقّه وانتزاعه عن طريق أبواب القضاء، حذرًا من طول انتظار، وتضييع الوقت، أو خوفًا على سمعتهم وفضح أسرارهم وخصوصيّاتهم في جلسات القضاء العلنيّة، ولربّما لو سلك الطّريق مع هذا ودفع من المال ما دفع لم يصل إلى حقّه لنقص في مستنداته، أو ضعف في مطالبته أمام خصم ألحن منه بحجّته.
وأمام هذا الواقع عادت الدّول إلي مبدأ التّحكيم، وهو تحاكم الخصمين بالتّراضي إلى غير القاضي، وقد كانت الدّول تظنّ أنّ التّحكيم يخدش السيادة، ولكن تبيّن لها أنّه نوع من القضاء، بل يمكن أن يخضع له، ويكون سندًا قانونيًّا له.
وقد كان التحكيم سائدا بين العرب 'يتولاه الحماء منهم 'وكانت القبائل تفتخر بحكمائها."واشتهر بين العرب قبل الإسلام عدد من المحكمين أو الحكام عرفوا بالعقل والحلم والحكمة 'وباختلاف الناس إليهم للحكم فيما يشتجرون فيه منهم الحاجب بن زرارة 'والأقرع بن حابس 'وقس بن"