الصفحة 44 من 50

ووجه الدلالة من هذه الآيات أنها نص جلي لا يحتمل الخلاف في أن الغاية في إنزال القرآن الكريم إنما هي الحكم بين الناس، وترك الحكم بالهوى، والهوى كل ما تبع فيه الإنسان رأيه واجتهاده مقطوع الصلة عن هدى الله عزل وجل، ثم إن التحاكم إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لفض النزاع بين المؤمنين دليل الإيمان، والتحاكم إلى غيرهما ينزع عنهم صفة الإيمان حتى يرجعوا إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ولم يكتف القرآن بتحديد جهة التحاكم واشتراط أن تكون إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل أمرنا بنبذ أحكام الكفر واعتبرها طاغوتا فكيف يلجأ المسلم إلى الطاغوت لأخذ الحكم قال تعالى:"ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا" (5) .

يقول الإمام بن القيم:"من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله (6) ."

قال ابن كثير في الآية: هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (1) .

وما اشتراط الإسلام في القضاة فهذا مما أجمع عليه الفقهاء فاشترطوا في القاضي الإسلام والمحكم كالقاضي (2) لما له من الولاية قال تعالى:"ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا" (3) ، ولا ريب أن حكم غير المسلمين على المسلمين سبيل لهم علينا، فيكون منهيا عنه بظاهر الآية.

هذا وهناك اتجاه يرى أصحابه جواز لجوء الدول الإسلامية إلى محكمة العدل الدولية قال الدكتور وهبة الزحبلي: لا مانع من تطبيق القانون الدولي"قواعد الحق والعدالة"في التحكيم لأن الرسول حدد مقدما لسعد بن معاذ في قضية التمكين في يهود بني قريضة القواعد التي يقضي بها وقواعد التمكين في محكمة العدل الدولية لا تخرج عن كونها إما اتفاقا دوليا أو عرفا عاما سارت الدول على مقتضاه، أو قاعدة من قواعد العدل والإنصاف، فإذا أضرت قاعدة بالمسلمين كانوا بالخيار كما هو المقرر دوليا في عدم عرض النزاع على محكمة العدل (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت