فهرس الكتاب
الأمر شيئا، فإن وصف الحكم بحيثياته وديباجته وما يبنى عليه من أسس، والحكم في محكمة العدل الدولية ديباجة قانونية بحتة مبنية على فقرات القانون الواجب التطبيق السابق ذكره فلا توصف بالشرعية، إذ ليس في الديباجة من مثل: بناء على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو قوله تعالى كذا أو قوله صلى الله عليه وسلم كذا، وهذا أمر لا ينفك عن وصف الحكم الصادر بالشرعية الإسلامية، أو القانونية الدولية.
التحاكم الدولي على خلاف الأصل في وحدة الدولة والتشريع:
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
مما لا شك فيه أن وحدت الدولة الإسلامية واجبة، ووحدة الدولة من وحدت المسلمين، فلا يقر الإسلام تعدد الدولة، وإن حكمت كل منها بالشريعة الإسلامية، فإن ذلك مظهر من مظاهر التفرق ومظنة للخلاف والشحناء بين المسلمين وقد قال تعالى:"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" (1) وقال تعالى:"ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" (2) ، وقال الماوردي فيه تأويلان: أحدهما أن المراد بالريح الدولة، والثاني أن المراد بها القوة (3) .
وقد أجمع الفقهاء على أن الأصل وحدة الدولة واستندوا إلى أدلة كثيرة منها ما رواه عرفجة بن شرع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من أتاكم وأمركم جميعا على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" (4) ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه فليعطه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر" (5) ، وعن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" (6) .
فدلالة هذه الأحاديث نص في حرمة مبايعة خليفتين، أو إقرار خليفتين للمسلمين ولذا قال الماوردي:"إذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما، لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد، وإن شذ قوم فجوزوه" (7) وحين خرج المسلمون عن هذا الأصل، فتعددت الخلافة أو الإمامة فيهم إلى اثنتين أو ثلاث أو أربع أو أكثر من ذلك، فكان ضعفهم جميعا، وكان الخلاف، بل كانت الحروب بينهم مستعرة، حتى وصل الأمر بينهم أن يستعينوا بالكفار على بعضهم البعض.
ولقد اتجه بعض الفقهاء المعاصرين إلى جواز تعدد الدول الإسلامية وتعدد الإمامة فقال"لا مانع من تعدد الحكومات في بلاد الإسلام، وقد أفتى الفقهاء بجواز تعدد الإمامة عند اتساع المدى وتباعد الأقطار" (1) .