فهرس الكتاب
والصواب الناصع أن هذا من الخطأ البين إذ الجواز يقتض إباحة تجزؤ كلمة المسلمين وتشتت قوتهم وذهاب ريحهم، لكن إن كان القصد قبول الواقع وإقرار كل حاكم على ما تحت يده، لنبذهم الاجتماع والتوحد تحت راية إمام واحد، فهذا قبول للواقع ونفس الأمر، ولا يعني أنه أصل مقر ثابت.
وقد يقال: أن العبرة بتحكيم شرع الله ولو تعددت الدول، مادامت تحقق هدفا واحدا، وتسير في خطة واحدة يقول الأستاذ عبد القادر عودة:"يظن البعض أن تقسيم العالم دار إسلام ودار حرب يقتضي أن تكون البلاد الإسلامية كلها تحت حكم دولة واحدة والبلاد الأجنبية تحت حكم دولة واحدة وهو ظن لا أساس له من الواقع، فالنظريات الإسلامية لم توضع على أساس أن تكون محكومة بحكومة واحدة، إنما وضعت على أساس ما يقتضيه الإسلام، والإسلام يقتضي أن يكون المسلمون في كل بقاع الأرض يدا واحدة يتجهون اتجاها واحدا وتسوسهم سياسة واحدة وأبسط الصور وأكفلها بتحقيق هذه الغاية أن تكون كل بلاد الإسلام تحت حكم دولة واحدة لكن ليست هذه هي الصورة الوحيدة التي تحقق أهداف الإسلام، إذ من الممكن تحقيق هذه الأهداف مع قيام دول متعددة في دار الإسلام ما دامت تتجه اتجاها واحدا وتسير على سياسة واحدة، والإسلام لا يتنافى مع نظام كنظام الولايات المتحدة، ولا مع نظام كنظام الولايات القائم في روسيا ولا مع نظام كنظام الدومنيون الإنجليزي ولا يتنافى مع النظام القائم الآن في البلاد العربية" (2) ، فالمقصود من تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب ليس جعل العالم تحت حكم دولتين أو وحدتين سياسيتين.
هذا الكلام يصح في حكم الواقع، والواقع ليس دليلا على أصل الحكم الشرعي خاصة إن خالف النصوص، ويبعد عن الصواب كثيرا القول بأن النظريات الإسلامية لم توضع على أساس أن تكون محكومة بحكومة واحدة، إنما وضعت على أساس ما يقتضيه الإسلام. فإن النظريات في الإسلام مبنية على النصوص، ولا نجد نصا واحدا يجعل الأصل هو تعدد الخلفاء والدول مع اتحاد اليد والسياسة الواحدة، وهذا يصح أن لو كان المقصود إمام واحد وحكام ولايات إسلامية يأتمرون بأمره وهذا لا يمنع أن تعطى لهم الصلاحيات التي تحقق مقاصد الشرع في حفظ الدين والنفوس والأموال والأعراض والعقول، فحينئذ لا بأس بنظام الولايات القائم في هذا العصر
لكن أن يكون لكل دولة إمامها، وصلاحيته المطلقة، فلا يستقيم والنصوص وروح الشريعة ومصالحها ومقاصدها هذا من حيث الأصل، لكن لو كان