حكم التحكيم الجواز عند جمهور الفقهاء، ولم تختلف المذاهب في أصل مشروعيته لما سبق من الأدلة والقياس على القضاء والاستفتاء، وإنما اختلافهم فيما قد يحتاجه من قيود وشروط.
قال المازري المالكي:"تحكيم الخصمين غيرهما جائز، كما يجوز أن يستفتيا فقيها يعملان بفتواه في قضيتهما"، وجزم أبن فرحون بالجواز فقال:"إذا حكم أحد الخصمين صاحبه فحكم لنفسه أو عليها جاز ومضى ما لم يكن جوارا بينا" (2) .
ونصوص المذاهب ظاهرة متضافرة على جوازه غاية ما هنالك أن المالكية اختلفوا في جوازه ابتداء أو بعد وقوعه، وظاهر كلامهم، ومفهومه جواز التحكيم ابتداء (3) .
والحنفية امتنعوا عن الفتوى به مع جوازه خشية أن يتجاسر العوام إلى تحكيم من ليس أهلا فقالوا:"إن حكم المحكم في المجتهدات نحو الكنايات والطلاق المضاف جائز في ظاهر المذهب عن أصحابنا، إلا أن هذا مما يعلم، ولا يفتى به كي لا يتجاسر الجهال إلى مثل هذا" (1) .
إلا أن واقع المذهب أن لو كان المحكم على وفق ما ذكروه من شروط وفي محل الاجتهاد جاز ومضى حكمه، حتى قالوا:"إن فتوى الفقيه للجاهل بمنزلة حكم القاضي المولى، أو حكم المحكم 000" (2) .
والشافعية مع القول بجوازه"بشرط أهلية القضاء فلم يجوزوا تحكيم غير الأهل مع وجود القاضي ولو قاضي الضرورة" (3) كما سيأتي.
وعند الشافعية قول بعدم الجواز لأنه يؤدي إلى اختلال أمر الحكام وقصور نظرهم والافتيات عليهم وقول بجوازه بشرط عدم وجود قاض بالبلد وهذا هو المعتمد، ولو لغير الأهل، فيمتنع تحكيم غير الأهل، مع عدم وجود قاضي الضرورة إلا إن كان يأخذ مالا له وقع بحيث يضر حال الغارم فيجوز التحكيم، وإن كان القاضي مجتهدا (4) ، وسيأتي تقسيمات مذهبهم تبعا لمحل التحكيم.
التحكيم والقضاء:
ـــــــــ
التحكيم من الولايات فهو نوع من القضاء لما فيه من فصل الخصومة، وبيان الحكم الشرعي فالحكم من أنواع القضاء، ولذلك يذكر الفقهاء التحكيم والحكم في باب القضاة أو القضاء.
فيتفقان في الإلزام بحكمهما إلا أن القضاء بمثابة الأصل، والتحكيم بمحل الفرع منه فرتبته أقل وأدنى ولذا اختلف القضاء عن التحكيم في أمور أهمها: