فهرس الكتاب
ولم يقتصر دورها على الإسناد النفسي والرضا بشظف العيش وقسوته بل ساندته في غزواته فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُزَانِ (تسرعان في المشي) الْقِرَبَ وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ] صحيح البخاري
وشاركت في الخندق وكلُّ ذلك ضمن وظيفتها المساندة للقائد العام للقوات الإسلامية] مسند أحمد ابن حنبل 141/ 6)
(220) مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن الأرواح الشفافة الصافية القوية تدرك بعض ما يكون مخبوءا وراء حجب الغيب بقدرة الله تعالى والقلوب الطاهرة المطمئنة تحدث صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزمان والعقول الذكية المستنيرة بنور الإيمان تدرك ما وراء الألفاظ والأحداث من إشارات وتلميحات ولنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - من هذه الصفات الحظ الأوفر وهو منها بالمحل الأرفع الذي لا يسامى ولا يطاول (السيرة النبوية لأبي شهبه 587/ 2)
جاءت الآيات القرآنية مؤكدة على بشرية النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه كغيره من البشر سوف يذوق الموت ويعاني سكراته كما ذاقه من قبل إخوانه من الأنبياء قال تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 144] }
قال القرطبي: فأعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل وإن فقد الرسل بموت أو قتل (تفسير القرطبي 222/ 4)
وقال تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر: 30] } قال ابن كثير: هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق رضي الله عنه عند موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى تحقق الناس موته (تفسيربن كثير53/ 4)
وقال تعالى وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: 34] } ثم أعقب ذلك ببيان أن الموت حتم لازم وقدر سابق فقال عز وجل كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: 35] } فهذه الآيات صريحة ونصت على وفاته - صلى الله عليه وسلم - وهناك بعض الآيات أشارت إلى ذلك وإن لم تصرح.
وقال تعالى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى [الضحى: 4] وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: 5] }
قال تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: 26] وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27] }
وقال تعالى كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88] } هذه الآيات تبين أن جميع أهل الأرض ستمضي فيهم سنة الله في موت خلقه لن يتخلف منهم أحدًا أبدًا.
وقال تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: 3] } فبكى عمر بن الخطاب حين نزلت الآية فقيل: ما يبكيك؟ فقال: ما بعد الكمال إلا النقصان وكأنه استشعر وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - (البداية والنهاية 189/ 5)
وقال تعالى إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: 1] وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر: 2] فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر: 3] }
سأل عمر رضي الله عنه ابن عباس عن هذه الآية {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} فقال: أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه إياه فقال: ما أعلم منها إلا ما تعلم (البخاري كتاب المغازي 4430)
وفهم - صلى الله عليه وسلم - من الآيات اقتراب أجله وأشار - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من الأحاديث الصحيحة إلى اقتراب وفاته منها ما هو صريح الدلالة على الوفاة ومنها ما ليس كذلك حيث لم يشعر ذلك منها إلا الآحاد من كبار الصحابة الأجلاء كأبي بكر والعباس ومعاذ رضي الله عنهم.
(221) أما الأحاديث التي أشارت إلى ذلك فهي
قالت عائشة رضي الله عنها: اجتمع نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنده لم يغادر منهن امرأة فجاءت فاطمة تمشي لا تخطئ مشيتها مشية أبيها فقال «مرحبا يا بنيتي» فأقعدها يمينه أو شماله ثم سارَّها فبكت ثم سارَّها فضحكت فقلت لها: خصك رسول الله بالسرار وأنت تبكين؟ فلما أن قامت قلت لها أخبريني ما سارَّك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما توفي قلت لها: أسألك لما لي عليك من الحق لما أخبرتني قالت: أما الآن فنعم قالت: سارني في الأول قال لي «إن جبريل كان يعارضني في القرآن كل سنة مرة وقد عارضني في هذا العام مرتين ولا أرى ذلك إلا اقتراب أجلي فاتقي الله واصبري فنعم السلف أنا لك» فبكيت ثم سارني فقال «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟» فضحكت (البخاري كتاب الإستئذان 6285 - 6286)
وفي هذا الحديث دليل قاطع وإشارة واضحة إلى اقتراب أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن ساعة الفراق قد باتت