فهرس الكتاب
الحدود لتتم إقامتها بأقل الخسائر في دماء الأبرياء وهو هدف لا نشك أن عليًا كان يسعى إليه وهذه النية في تعريف الناس وتوضيح الأمور لهم دليل على وعى تام منهم بأساليب السبئية في اللعب بأفكار العامة وتوجيهها على النحو الذي ينخر في الأمة حتى لا تستقر على حال فكان لابد من موجهتها في ميدان الأفكار لإبطال عملها ولقد تبين هذا العمل واضحًا وصريحًا في الروايات الصحيحة التي تحدثت فيها السيدة عائشة رضي الله عنها عن أهداف هذا الخروج
فروى الطبري أن عثمان بن حنيف وهو والى البصرة أرسل إلى عائشة رضي الله عنها عند قدومها البصرة يسألها عن سبب قدومها فقال: والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم ولا يغطى لبنية الخبر إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه وانتهبوا المال الحرام وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام ومزقوا الأعراض والجنود وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين ولا يقدرون على امتناع ولا يأمنون فخرجت في المسلمين أُعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا وقرأت لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114] } فنهض في الإصلاح ممن أمر الله عز وجل وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصغير والكبير والذكر والأنثى فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به وتحضكم عليه ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره
وروى ابن حبان أن عائشة رضي الله عنها كتبت إلى أبى موسى الأشعري والى علىّ على الكوفة: فإنه قد كان من قتل عثمان ما قد علمت وقد خرجت مصلحة بين الناس فمر من قبلك بالقرار في منازلهم والرضا بالعافية حتى يأتيهم ما يحبون من صلاح أمر المسلمين ولما أرسل الخليفة علىُّ بن أبي طالب القعقاع بن عمرو لعائشة ومن معها يسألها عن سبب قدومها دخل عليها القعقاع فسلم عليها وقال: أي أُمه ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بنى إصلاح بين الناس.
وبعد انتهاء الحرب يوم الجمل جاء علىٌّ إلى عائشة رضي الله عنها فقال لها: غفر الله لك. قالت: ولك ما أردت إلا الإصلاح فتقرر أنها ما خرجت إلا للإصلاح بين الناس وفيه رد على من طعن في عائشة رضي الله عنها من الشيعة الرافض في قولهم: إنها خرجت من بيتها وقد أمرها الله بالاستقرار فيه في قوله وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] } فإن سفر الطاعة لا ينافي القرار في البيت وعدم الخروج منه إجماعًا وهذا ما كانت تراه أم المؤمنين عائشة في خروجها للإصلاح