فهرس الكتاب
فلم يجدوا أمرًا هو أمثل من الصلح وترك الحرب حين رأوا أن الأمر أخذ في الانقشاع فافترقوا على ذلك ورجع علىّ إلى عسكره ورجع طلحة والزبير إلى عسكرهما وأرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما وأرسل على إلى رؤساء أصحابه ماعدا أولئك الذين حاصروا عثمان رضي الله عنه فبات الناس على نية الصلح والعافية وهم لا يشكون في الصلح فكان بعضهم بحيال بعض وبعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون ولا ينوون إلاّ الصّّلح.
وظهر للذين أثاروا الفتنة أنهم أشرفوا على الهلاك وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها وقال قائلهم: أن علي بن أبي طالب ومن معه سيرتحلوا في الغد إلي البصره ولا يرتحلن معه أحد أعان على عثمان بشيء وإن يصطلحوا مع علىّ بن أبي طالب فعلى دمائنا فخاف قتلة عثمان من التمكن منهم والإحاطة بهم فاجتمعوا وتشاوروا و اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فرقتين ويبدءوا بالقتل ليلًا في المعسكرين فيصيح الفريق الذي في عسكر على قائلًا: غدر طلحة والزبير ويصيح الفريق الذي في عسكر طلحة والزبيرقائلًا: غدر على فتم لهم ما دبروه ونشبت الحرب. ودافع كل فريق عن نفسه وظنت كل طائفة أن الأخرى بدأتها بالقتال
(305) الجولة الأولى في معركة الجمل
زاد السبئيوّن في الجيشين من جهودهم في إنشاب القتال ومهاجمة الفريق الآخر وإغراء كل فريق بخصمه وتهييجه على قتاله ونشبت المعركة عنيفة قاسية حامية شرسة وكانت المعركة يوم الجمعة في السادس عشر من جمادى الثانية سنة ست وثلاثين في منطقة «الزابوقة» قرب البصرة حزن علىّ لما جرى ونادى مناديه: كفوا عن القتال أيها الناس: ولم يسمع نداءه أحد فالكل كان مشغولًا بقتال خصمه وكانت معركة الجمل على جولتين: الجولة الأولى كان قائدا جيش البصرة فيها طلحة والزبير واستمرت من الفجر حتى قبيل الظهيرة ونادى على في جيشه كما نادى طلحة والزبير في جيشهما: لا تقتلوا مدبرًا ولا تُجهزوا على جريح ولا تلحقوا خارجًا من المعركة تاركًا لها وقد كان الزبير رضي الله عنه وصى ابنه عبد الله بقضاء دينه فقال: إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم وإني لا أراني إلا سأقتل مظلومًا وإن أكبر همي ديَنْي وأثناء ذلك جاء رجل إلى الزبير وعرض عليه أن يقتل عليًا وذلك بأن يندس مع جيشه ثم يفتك به فأنكر عليه بشدة وقال: لا لا يفتك مؤمن بمؤمن أو أن الإيمان قيَّد الفتك فالزبير رضي الله عنه ليس له غرض في قتل على أو أي شخص آخر بريء من دم عثمان.
ثم انصراف الزبير رضي الله عنه قبيل المعركة لما علم بوجود عمار بن ياسر في الصف الآخر لقول رسول الله «تقتل عمار الفئة الباغية» ويرجع البعض سبب انصرافه إلى شكه في صحة موقفه من هذه الفتنة. فخرج الزبير من المعركة فلقيه ابن جرموز فقتله.