فهرس الكتاب
اللهم إشارة إلى صريح الدعاء فإنها متضمنة لمعنى يا الله فهي متضمنة للسؤال و الثناء و هذا هو الذي فهمه من قال إذا أرادوا شيئا قالوا سبحانك اللهم فذكروا بعض المعنى و لم يستوفوه مع انهم قصروا به فانهم اوهموا انهم إنما يقولون ذلك عندما يريدون الشيء و ليس في الآية ما يدل على ذلك بل يدل على أن أول دعائهم التسبيح و آخره الحمد و قد دل الحديث الصحيح على انهم يلهمون ذلك كما يلهمون النفس فلا تختص الدعوى المذكورة بوقت إرادة الشيء و هذا كما انه لا يليق بمعنى الآية فهو لا يليق بحالهم، والله تعالى اعلم بالصواب. [1]
فصل
فيما جاء في ذبح الموت
عن أبي سعيد - رضي الله عنه - أيضًا، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح - زاد أبو كريب فيوقف بين الجنة والنار واتفقا في باقي الحديث - فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت، قال: ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلاموت، ويا أهل النار خلود فلا موت، قال: ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [2] وأشار بيده إلى الدنيا". [3]
وفي رواية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال:"يدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذنٌ بينهم فيقول: يا أهل الجنة لاموت ويا أهل النار لاموت كل خالد فيما هو فيه" [4] .
قوله: فيشرئبون وينظرون: أي يرفعون رؤوسهم وينظرون إلى المناد.
قال ابن منظور: فيَشْرَئِبُّون لصوته؛ أَي يرفعون رؤوسهم ليَنْظُروا إِليه؛ وكلُّ رافع راسه مُشرئبٌّ. [5]
قال ابن حجر: قال القاضي أبو بكر بن العربي: استشكل هذا الحديث لكونه يخالف صريح العقل لأن الموت عرض والعرض لا ينقلب جسما فكيف يذبح فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته، وتأولته طائفة فقالوا: هذا تمثيل ولا ذبح هناك حقيقة، وقالت طائفة: بل الذبح على حقيقته والمذبوح متولي الموت وكلهم يعرفه لأنه الذي تولى قبض أرواحهم، قلت: وارتضى هذا بعض المتأخرين وحمل قوله، هو الموت الذي وكل بنا، على أن المراد به ملك الموت لأنه هو الذي وكل بهم في الدنيا كما قال تعالى في سورة ألم السجدة واستشهد له من حيث المعنى بأن ملك الموت لو استمر حيا لنغص عيش أهل الجنة، وأيده بقوله في حديث الباب، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم، وتعقب بأن الجنة لا حزن فيها البتة، وما وقع في رواية ابن حبان أنهم يطلعون خائفين إنما هو توهم لا يستقر، ولا يلزم من زيادة الفرح ثبوت الحزن،
بل التعبير بالزيادة إشارة إلى أن الفرح لم يزل، كما أن أهل النار يزداد حزنهم ولم يكن عندهم فرح إلا مجرد التوهم الذي لم يستقر ... [6]
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
"إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار فيذبح ثم ينادي منادٍ يا أهل الجنة، لا موت، يا أهل النار لاموت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم وأهل النار حزنًا إلى حزنهم".
أوَ مَا سَمِعْتَ بِذَبْحِهِ لِلْمَوْتِ بَيْـ ... ـنَ المَنْزِلَيْنِ كَذَبْحِ كَبْشِ الضَّانِ
حَاشَا لِذَا المَلَكِ الكَرِيمِ وَإنَّمَا ... هُوْ مَوْتُنَا المَحْتُومُ لِلإنْسَانِ
(1) حادي الأرواح (1/ 293) .
(2) سورة مريم الآية (39) .
(3) رواه البخاري برقم (4453) ، باب وأنذرهم يوم الحسرة، ومسلم برقم (2849) ، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء.
(4) رواه البخاري في كتاب الرقاق برقم (6548) ،ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها برقم (2850) .
(5) لسان العرب.
(6) فتح الباري.