فهرس الكتاب
1-إن الحج نموذج مصغر ليوم الحشر، ومن مات فقد قامت قيامته؛ لذلك فإن المتلبس بحج أو عمرة يبدأ رحلته بارتداء الأكفان بعد التجرد من المخيط، ويقطع رحلة تشبه البعث من القبور والقيام لرب العالمين، وإن ساحة عرفات تذكّر بأرض المحشر؛ حيث إن الناس يأتون إليها من كل فج عميق ليروا أعمالهم، وليجزي الله الذين أساءوابما عملوا، كما يجزي الذين أحسنوا بالحسنى. وهم يتنقلون بين عرفات ومزدلفة ومنى والبيت العتيق للتذكير بعرصات يوم القيامة؛ حيث في الحشر الحساب والميزان والمرور في الظلمات، واجتياز الصراط، والحبس فوق قنطرة بين الجنة والنار لاقتصاص المظالم، وقد يفلس الكثيرون فيردون على أعقابهم إلى الجحيم من بعد أن نجوا من كلاليب الصراط وحدته ورقته.
إن هذا المقصد من مقاصد الحج ليس اجتهادا يستنبط، ولكنه المنصوص عليه في قوله سبحانه:"فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ". فقد طلب إلى الحجاج -وقد قضوا مناسكهم- أن يتأكدوا من أنهم إلى ربهم يحشرون، وقد خاضوا تجربة تشبهه. ولعل مما يؤيد ذلك أنه كما ينتهي يوم الحشر بعد سَوْق كل فريق إلى مثواه أو مأواه زمرا، ترى الملائكة حافّين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، وكذا الحج ينتهي بطواف الوداع الذي ينفض الناس بعده مباشرة إلى أوطانهم.
الحج تدريب على الجهاد