الصفحة 68 من 233

محافظة أميركا على عفتها في العلن يضطرها إلى كثير من اللف والدوران الذي يستغرق وقتا ومجهودًا جبارا. ضرره أنه يمنعها من التقدم بما يتزامن مع طاقتها في التقدم. يجدون أن حال أميركا في كثير من الأمور الدولية أقل أو أضعف بكثير من حجم أو قدرة أميركا الدولية. مثلًا أطراف الصراع في موضوع قبرص هم الأتراك واليونان. مضى على أميركا عشرات السنين وهي تحاول تسوية قضية قبرص دون جدوى. أطراف النزاع على المسرح لا شيء ولا بأي نسبة في القياس يقاربون حجم أميركا الدولي في أي شيء. لكن حسابات العمل الدولي من ضمن مجموعة دولية متعددة المصالح يُبطِلُ هذا التمايز الأميركي عن بقية الدول خاصة أعضاء"الأسرة الدولية"وهم دول أوروبا الكبرى. مثل موضوع قبرص العشرات من القضايا الدولية العالقة التي لم تستطع أميركا التأثير في حلها. حتى تلك التي تدعي أنها كانت سيدة الأمر فيها خرج الأمر من يدها بعد أن رعت حلها مثل موضوع تفكيك يوغوسلافيا وحرب البوسنة. ومثل كامب ديفيد الذي أرادته بين العرب وإسرائيل فإذا به يتحول بين عميل لها ومتمردٍ عليها. ومثل موضوع ثورة الأكراد وما آلت إليه في مصير أوجلان وحزب العمال الكردستاني الذي كانت تموله وتزوده بالسلاح والمعلومات. ومثل ثورة السودان حتى اليوم، وكثير كثير غيرها. جميع هذه الأمور لم تنجح فيها أميركا لاضطرارها للتخفي في مساعدة عملائها خوفَ أن تكتشف شعوب أوروبا غدر أميركا بهم وبمصالحهم.

الأوروبيون كانوا يعرفون جيدًا خيانة أميركا لهم وتآمرها عليهم منفردين ومجتمعين. لكنهم لم يجرؤوا على فضح أميركا أمام شعوبهم. هم أيضًا كانوا يخونون سيدتهم، خيانتهم كانت أقل خطرًا من خيانة أميركا لهم. أميركا تستطيع سحقهم، هم يعلمون. هم في جمعهم أو تفرقهم لا يقدرون على أكثر من خدشِ أميركا في مصالحها مهما حاولوا، هذا أيضًا يعلمونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت