فهرس الكتاب
شرطُ الفوضى الفكرية أن تكون الأبحاث الفكرية تجري في أمرٍ فرعي دون إحكام ربطه بفكرٍ أساسي. لا يوجدُ عند الإنسان فكرٌ حياتي لا يرتبط بفكرٍ أساسي. إحكامُ الربط يعني البحث الفكري في ضوء الفكر الأساسي لذلك البحث. خطأ أو فسادُ الفلسفة الغربية أن أبحاثها الفكرية الغنية والكثيرة تبحث في الحالة باستقلاليةٍ بل تعتبر فَرْضَ الفصلِ عبقريةً وهو في الواقع شذوذٌ فكري وفي حقيقته جنونٌ فكري. بهذه المعرفة نجحت أجهزةُ الحكم في الأوروبيين في إبطال فاعلية معرفة الفرد الأوروبي بتآمر أميركا على دوره في الحياة أولًا وعلى دوره السياسي ثانيًا وعلى مصالحه ثالثًا. لا يمكن الجزم، على الأقل عندنا، أن أجهزة الحكم تقوم بذلك عن وعي لحجم خيانتها لشعبها. رجاحةُ عوامل الجهل أكثر من عوامل الخيانة، مهما كان السبب فإن تحقيق قصد العمل تحقق. قصد العمل هو أن يكون الموضوع موضوعًا فرديًا لا موضوعًا من المواضيع العامة. الفرقُ بين الموضوع الفردي والموضوع العام هو أن الموضوع الفردي لا يؤثر في الرأي العام. الرأي العام هو الذي يفرض التغيير أما الرأي الفردي فلا قيمة له إن لم يصل إلى درجة التأثير في الرأي العام. أجهزةُ الحكم نجحت في منع الرأي العام من التأثر بالقناعة الفردية عند الفرنسي والإنكليزي والألماني والإيطالي ومن يلحق بهم. لذلك تبقى أميركا في منأى عن تعبيرٍ أوروبي جماعي عما يجيش في نفس الفرد الأوروبي من حسرة في ضعفه وجبنِ حكومته بسياسييها وأجهزتها عن الوقوف بوجه خطة أميركا لتطويعهم واستخدامهم في تطويع غيرهم. وهذا هو برهان القائل أن أجهزة الحكم في الدول الأوروبية تنفذ الخطة الأميركية في السيطرة على مفاصل التفاعل في مفاعل (1)
(1) كلمة مفاعل ترتبط في أذهاننا بالمفاعل النووي وهي تعني المصنع الذي فيه تتفاعل المواد وهو غير المصنع الذي ينتج مواد. فالاختلاف في طريقة الإنتاج وأدواته لكن ليس في أنه مصنع يُنتج. الرأي العام في أي مجتمع أثبت التاريخ أنه يُحدث التغيير الجذري في حياة المجتمع عندما يجتمع على رأي في ذلك. كما أثبت أنه وراء سقوط أكابر مجرمي البشر الذين حكموا بالبطش والقهر ملوكًا، رؤساءَ جيوشٍ أو رؤساءَ ديمقراطيين منتخبين بنسبة 51 ـ 99%. استعرنا لفظة"مفاعل"لأن الرأي العام في أي بلد أوروبي هو قنبلة موقوتة قابلة للاشتعال إذا أُعيد تفعيل مفاصل التفاعل المعطلة في المجتمع بفضل هيمنة القصد الأميركي على خطة أجهزة الحكم الأوروبي.