الصفحة 78 من 233

دورُ أجهزة الحكم يتأثر في نشوئها لا في مهمتها، فالدور يتغاير من بلد لآخر بينما المهمة بمعنى المسؤوليات والصلاحيات لا تتغاير لأنها تتعلق بمعناها لا بدورها ولا بنشوئها. أجهزة الحكم في أوروبا كانت موجودة قبل الثورة ـ- ثورة الحريات (1) ـ فجاءت الثورة على الحاكم ثورة عليها أيضًا. هيجانُ الفكر في المفكر كهيجانِ الثائر في ثورته، يرى من عينٍ كما الثائر في ثورته يكون أعورَ في سمعه. الأصلُ أن يبصر المفكر ببصيرته لا من عين واحدة ولا من اثنتين، والأصل في الثائر أن يرى بعينه لا أن يرى بما يسمع. الأوروبيون ثاروا على الحاكم وأجهزة الحكم، لذلك بعد انتصار الثورة أعاد الثوار بناء الأجهزة على مفهوم أن لا تكون عدوة للشعب.

حمايةً لهذا الهدف وُجِدَت قوانينها لإخضاعها الدائم للثوار المنتخبين فيما بعد من الشعب. نشأتها تحتم دورها في أنها خاضعة للحكم لا شريكة فيه وليست من جنسه. والشعب الثائر في دم أحفاده ما زال شديد الحساسية تجاه هذه الأجهزة والحكم الديمقراطي شديد المراقبة لها.

(1) هذه التسمية فيها كثير من الاستهتار بعقول الأوروبيين وفيها الكثير من التدجيل الفكري على الأوروبيين وغير الأوروبيين. نحن نستعملها بلفظِ التضليل الذي ألصقوه بثورة الأوروبيين وأولاها في فرنسا، وليس بحسب معرفتنا في حقيقة سبب الثورة وفكرها ونتيجتها أنها في واقعها مؤامرة جديدة في تطوير مسار عبودية الأوروبيين للحاكم في مراحلها أو حقبتها الثلاث: 1 ـ حقبة تأليه الحاكم الروماني في شخصه. 2 ـ حالة تقديس طاعة الحاكم الروماني في المسيحية وتقديس كاهنها في شخصه. 3ـ حالة تأليه الذات في طاعة الحاكم العلماني أو الديمقراطي وتقديس الطاعة للنظام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت