الصفحة 79 من 233

ثورةُ أميركا قامت بغير معطيات ثورةِ الفرنسيين والأوروبيين. ثوارُ أوروبا ثاروا في موطنهم على حكامٍ منهم. ثوارُ أميركا ثاروا في غير موطنهم على حكامٍ ليسوا منهم، حكامٍ يستعمرونهم، إنكليزَ في عرقهم. الاستعمارُ في تعريفه يفرض كراهية المُستعْمَرِ للمُستَعْمِر. تعريفُ الاستعمار في كنهِه فرضُ السيطرة للاستغلال. تعريفه في ممارسته نهبُ ثروات الآخرين وما يفرضه ذلك من قبول الإنسان بسرقته بعد قطع لسانه وفقءِ عينيه وقطع شريان الوريد التاجي. هكذا كان الإنكليز يستعمرون سكان أميركا الأوروبيين وليس الأصليين. الإنكليز والأسبان والبرتغاليون نجحوا قبل ذلك بدهر طويلٍ من الذبح والبقر والبترِ في إبادة سكان أميركا الشمالية والجنوبية. مع نجاح حملة إبادة السكان المحليين كان الإنكليز يستقدمون زبالةَ أوروبا البشرية لتسخيرهم في زيادة منافع الإنكليز. حتى أن من هذه الزبالة البشرية كان إنكليز وآرشيون وسكوتس وألمان وفرنسيون ومن كل مجتمع كان يكثر فيه المرذولون اجتماعيًا. ثورةُ عبيدٍ على أسياد تختلف في كل شيء عن ثورةِ شعبٍ على حاكم. كيانُ السيد الحاكم على عبيد يختلف في مقوماته عن كيان السيد الحاكم على شعبه. كذلك يختلف واقع المجتمع في تطلعاته وأهدافه وقدراته. ثورة المُستَعْمَرين على مستعمِريهم لم تكن ثورة ناسٍ على حاكم له أجهزة حكمٍ، كانت ثورة على أجهزة الحكم مباشرة. شخصُ المهزوم في هذه الثورة غير شخص المهزوم في ثورة فرنسا. الثائرُ هنا غير الثائر على المتفحش في فرساي. ثائرُ أميركا أجلى حاكمها عن أرضه، أزال كيانَ الإنكليز في غير أرضِ الإنكليز. في انتصاره لم يرث أجهزةً انتصر عليها، وانتصاره كان على أرضٍ ولم يكن انتصارًا على شعب. لم يبقَ بعد المعركة فريقان غالب ومغلوب، بقي فريق واحد أهل الأرض فقط، إذ في غياب المغلوب كيف يكون غالب؟ ثوارُ ارض أميركا بدأوا في إنشاء أجهزة الحكم كما بدأو في إنشاء جميع منشآت الحياة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت