فهرس الكتاب
أجهزةُ الحكم التي في أميركا في واقعها أجهزة تشارك في الحكم بمعنى أنها من أركان الدولة. أجهزةُ الحكمِ في أوروبا (1) في واقعها أجهزةُ دولةٍ بمعنى أنها من أدوات الدولة. الجهازُ الذي يشارك في الحكم يشارك في التفكير ابتداءً عند تحديد الهدف ودراسةِ الواقع ورسمِ الخطة في تحريك المفاعيلِ المؤثرةِ، انتهاء بالنجاح في تغيير الواقع وتقويمِ قيمةِ العمل في نتيجته ومعطياته في مستقبله. هذا الفارق ليس تقنيًا كما يصر التقنيون على تصنيفه في أبحاثهم لأن الموضوع ليس موضوعًا تقنيًا إنه موضوع أيديولوجية الحكم ورؤيته وهيكله. الفارق، في طبيعته أنه تقني أو أيديولوجي، عنصر فعال في قوة الحكم، استقلاليته، تماسكه في خطة استمرار الكيان. لذلك لا يوجد وجه مقارنةٍ بين قوة الحكم في أميركا وتلك في ألمانيا أو إيطاليا مثلًا. البعضُ يقارنون لأنهم يقارنون بين واقعين أي حقيقتين في الوجود. المقارنةُ بين
واقعين لا تُحدِث أثرًا في الفهم لأنها هي بذاتها عملية فهم فقط فهي في نتيجتها تبقى حبيسة الفهم، أي تبقى مادةً للدراسة. المقارنةُ التي تُنتجُ فهمًا هي المقارنةُ التي تجري في عناصر الواقع. لا يوجد وجه مقارنةٍ نعني أن عناصر الواقع في أيديولوجية الحكم في أميركا تفارق كلية في الأساس والطريقة والرؤية تلك التي في أوروبا. المقارنة تكون لإيجاد المقاربة أما إذا كانت دراسة في المفارقة فهي تختلف في سببها وهدفها وعمقها.
(1) أوروبا هنا لا تشمل بريطانيا ليس لأننا نعتبرها غير أوروبية بل هي أوروبية في جغرافيتها. لكن في الأبحاث التي في طبيعتها أنها دولية بريطانيا تنفصل فعليًا عن أوروبا في رؤيتها وخطتها السياسية وقواها وأهدافها. هذا الانفصال قد يرد معنا عدة مرات في هذا الكتاب دون الإشارة ـ للأسف ـ إلى استثناء الإنكليز. لكن القارئ يستطيع استبانة ذلك من الموضوع هل هو دولي في طبيعته أم غير ذلك.