فهرس الكتاب
بحث هذه النقطة، نقطة الأجهزة، لم يكن في ذاته مقصودًا عندنا بل مقصده بيان عامل أساسي لعله أكثر العوامل تأثيرًا في حالة انهزام الحكم في دول أوروبا أمام التسلط السياسي الأميركي عليها. وتوضيحها يلقي ضوءًا على مستقبل التفكير السياسي في أوروبا في مواجهة الحالة الدولية الجديدة التي تفرضها أميركا دوليًا، وليس أطلسيًا، لإنهاء النفوذ الأوروبي الدولي. الأملُ والإحباط كلٌّ بعناصره وقواه ووسائله موجود في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها، نراهُ غائبًا في بعضها. الأمل والإحباط يتوازن في حجته ومنبره، فالأمل ينقصه الطموح والإحباط ينقصه اليأس. صاحبُ عدَّةِ الأمل كصاحب عدَّةِ الإحباط؛ خائف. خوفُهُ ليس من ضعفٍ في عناصره. خوفُهُ من حاضرٍ بدونِ رؤيةٍ في حياة. رؤيةُ الحياة هو مستقبلها في واقعين. واقع العيش بإدراكٍ فوق التراب وواقعُ العيش في جسدٍ تحت التراب. السياسي في خوفه من حياةٍ بدونِ رؤيةٍ غير خوف الفرد مثلي ومثل صاحب المتجر وزارع الأرض وفارسٍ بدون حصانٍ عربي. السياسيُّ الأوروبي يستطيع أن يكذب على نفسه. العاديُّ من الناس وأنا، لا نستطيع الكذب على ذاتنا. سببُ الفارق أن الكاذب على نفسه يكذِّبُ الحقائق في ذاته، بمعنى أنه يتجاهل الحقائق في طبيعته، يخادع طبيعته كما يخادع شريكه أو زوجته أو رئيسه. سائقُ التاكسي وعازف البيانو وأنا نحب العيش بطبيعة الذات فينا، نهنأ بتوافق الفكر والفهم والقول مع طبيعة الذات. خادعُ نفسه يكذب على غيره، علينا. مثلنا، إذا استمر في عدم الكذب دون معرفةِ مقياسِ الصدق والكذب يعيش في كذبٍ من حيث لا يدري.