الصفحة 121 من 279

(1) تهذيب التهذيب 6: 46 ـ 48>99. حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلّى فيها. ـ أو أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتًا مخصوصًا لا تكون الزيارة إلاّ فيه، كما هو الحال في بعض المشاهد التي جعل الناس يومًا معينًا لزيارتها، وزيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم ليس فيها يوم بعينه، بل أي يوم كان. ـ أو أن يكون المراد أن لا يجعل كالعيد في العكوف عليه والاجتماع وغير ذلك مما يُعمل في الاَعياد، بل لا يؤتى إلاّ للزيارة والسلام والدعاء ثمَّ ينصرف عنه (1) .ـ أو أن الحديث في غير ذلك، إذ إنّ الذي جاء في حديث الحسن المثنّى: «لا تجعلوا بيتي عيدًا» ولم يذكر القبر، والقرينة على ذلك ما جاء بعده «ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا» (2) .ولاَجل التناقض بين ما يفهم من حديث الحسن المثنى وهو الفهم الذي اعتمده المنكرون للزيارة، وبين ما ورد في الزيارة من الحديث والاَثر، علّق الذهبي على حديث الحسن السابق الذكر قائلًا:ما استدلّ حَسَنٌ في فتواه بطائل من الدلالة، فمن وقف عند الحجرة المقدّسة ذليلًا، مُسَلِّمًا مصليًا على نبيه، فيا طوبى له، فقد أحسن الزيارة، وأجمل في التذلّل والحب، وقد أتى بعبادة زائدة على من صلّى عليه في أرضه أو في صلاته، إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه، والمصلّي عليه في سائر البلاد له أجر الصلاة فقط، فمن صلّى عليه واحدة صلى الله عليه عشرًا، ولكنّ من زاره ـ صلوات الله عليه (1) راجع شفاء السقام:80. (2) هامش المحقق في> شفاء السقام:187 ـ الطبعة المحققة. ـ وأساء أدب الزيارة، أو سجد للقبر، أو فعل ما لا يُشرع، فهذا فعل حسنًا وسيئًا، فيُعَلَّم برفق، والله غفور رحيم.فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم والصياح وتقبيل الجدران وكثرة البكاء إلاّ وهو محب لله ولرسوله، فحبّه المعيار الفارق بين أهل الجنّة وأهل النار. فزيارة قبره من أفضل القُرَب، وشدّ الرحال إلى قبور الاَنبياء والاَولياء، لئن سلّمنا أنّه غير مأذون فيه لعموم قوله صلوات الله عليه: «لا تُشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد» فشدّ الرحال إلى نبيّنا مستلزم لشدّ الرحل إلى مسجده، وذلك مشروع بلا نزاع، إذ لا وصول إلى حجرته إلاّ بعد الدخول إلى مسجده، فليبدأ بتحية المسجد، ثمَّ بتحية صاحب المسجد، رزقنا الله ذلك وإيّاكم، آمين (1) . الشبهة الثالثة: إنّ الزيارة تفضي إلى الشركقد يجاوز بعض الجهلاء الحد حين يغلبه الوجد، ولا فقه له ولا علم، فيسجد للقبر، وهذا أمر منكر لا يقرّه أحد بأي عذر، الواجب تعليم الجاهل وزجره عن هذا ونظائره من الاَفعال التي لا تستقيم مع الشرع، ولا مع أدب الزيارة، ولهذا ونظائره أوجب الله تعالى الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوجب على العالم أن يظهر علمه، وإلاّ لعنه الله وأبعده عن ساحة رضاه.أما ابن تيمية فقد جعل هذا ذريعة إلى تحريم الذهاب إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقصد الزيارة حتى من قرب، قائلًا: إن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ( وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرُنّ وُدًّا ولا(1) سير أعلام النبلاء 4: 484 ـ 485 ترجمة الحسن المثنى. سُواعًا ولا يغَوث ويعوقَ ونسرا ) قالوا: هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم ثمَّ صوّروا على صورهم تماثيل، ثمَّ طال عليهم الاَمد فعبدوها... قال: وقد ثبت عنه في الصحيح أنّه قال: «إنّ من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنّي أنهاكم عن ذلك» . واحتجّ أيضًا بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .وعلى هذا قال: كان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلّموا عليه وأرادوا الدعاء، دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر (1) .وهذا ممّا لا يحتجُّ به ذو معرفة، فهل كان على الله تعالى أن لا يبعث نبيًا، سدًّا للذرائع، إذا كانت أمة سالفة قد عبدت نبيّها وألَّهته؟! أم عليه تعالى إذا بعث نبيًّا ألاّ يُميته؟! وإذا أماته أن يرفعه إلى السماء لئلاّ يُدفن بين أمّته فيتخذون قبره مسجدًا؟!لقد بيّنت الشريعة التوحيد وحدوده، والشرك وحدوده، وحتى الشرك الاَصغر، ليجتنبه الناس ولا يخلطون بعباداتهم، وطاعاتهم وأعمالهم ومعتقداتهم شيئًا ممّا يدخل تحت عنوان الشرك، ليبقى الواجب واجبًا، والمندوب مندوبًا، والمباح مباحًا، كلٌّ على صورته المشروعة، وما يظهر من بدع في طريق الناس وأساليبهم يردّ عليهم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَن أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ» . وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين بزيارة قبور إخوانهم، فهل يعني أنه أباح لهم إقامة الاَوثان عليها والسجود لها؟ (1) مجموع فتاوى ابن تيمية 27: 184 ـ 192، ونحوه في> زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور:29 ـ 30. لقد أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها بعد أن علَّمهم آدابها وسننها، ونهاهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت