الصفحة 122 من 279

عن المحرم فيها، وهذا هو الاَصل في الزيارة في غيرها.ولقد كان النصارى حتى قبل ظهور نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يشركون بالله في صلواتهم فيجعلونه ثالث ثلاثة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فهل من واجب الموحِّد فيهم أن ينهاهم عن الصلاة لما خالطها من شرك!! أم الواجب عليه تبيين حدودها وآدابها ونفي كل ما خالطها من بدع وضلالات؟ أم كان على خاتم الاَنبياء أن يحرِّم الصلاة سدًّا للذرائع؟! هذا مما لا يقوله عاقل.. غير أن عادة ابن تيمية التهويل في الاَمور، وإغراء الناس بالاِيهام والمغالطة والتلبيس، وقد يسوق هذا إلى الكذب والافتراء، وكثيرًا ما وقع فيهما!! وها هو الآن يرتكبهما في قوله: (كان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلّموا عليه وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر) . وافترى على مالك بن أنس وكذّب فيه المالكية كلّهم، ومذهبم قائم على هذا، وقد نقلوه عن إمامهم مالك بأسانيدهم العالية عن أوثق أصحابه وأكثرهم معرفة به.. وحتى لو صح مدّعاه، ولا يصح، فإنّما هو عليه، لا له، ففيه شهادة بزيارتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء عنده، ولا يضرّ في ذلك استقبال القبر عند الدعاء او استدباره واستقبال القبلة. وقد قدمنا على الهيئتين كثيرًا من أثر السلف. ويغض ابن تيمية الطرف عن كل ما لا يوافق هواه من أثر السلف.. وحين يختلف من السلف اثنان يتمسك هو بمذهب المروانية منهم ويهجر من خالفه، ولو كان من أشرف الصحابة، وأكثرهم علمًا.. فلقد وقع النزاع في شيء من هذا عند القبر الشريف بين مروان بن الحكم وبين أبي أيوب الاَنصاري: أقبل مروان بن الحكم، فإذا رجل ملتزم القبر، فأخذ مروان برقبته، ثمَّ قال: هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه، فإذا هو أبو أيوب الاَنصاري رضي الله عنه ، فقال: نعم، إنّي لم آتِ الحَجَر، إنّما جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ثمَّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا على الدين إذا وليه غير أهله» !أخرجه أحمد في مسنده، وصحَّحه الحاكم والذهبي (1) .نعم، صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله.. ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله.. ومن غريب اختلاقات ابن تيمية هنا قوله: فهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء، لئلاّ يصلّي أحد عند قبره ويتخذه مسجدًا، فيُتَّخذ قبره وثنًا! وهذا تهويل وافتراء، فما كان شيء من هذا يدور في خلد أحدهم وإنَّما دفنوه هناك لقولهم إن الاَنبياء يُدفنون حيث قبضوا، بل رفعوا القول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه؛ قال المؤرخون: لمّا توفِّي النبيُّ اختلفوا في موضع دفنه؛ فقال قائل: في البقيع، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يكثر الاستغفار لهم.. وقال قائل: عند منبره.. وقال قائل: في مصلاّه.. فجاء أبو بكر فقال: إنّ عندي من هذا خبرًا وعلمًا، سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم

(1) مسند أحمد 5: 423، والمستدرك 4: 560>8571. يقول: «ما قُبض نبيٌّ إلاّ دُفِن حيث تُوفِّي» (1) . هذه رواية ابن إسحاق والواقدي، أمّا في رواية أبان بن عثمان الاَحمر فإنّ قائل ذلك هو عليٌّ عليه السلام ؛ قال أبان: وخاض المسلمون في موضع دفنه، فقال عليٌّ عليه السلام: «إنّ الله سبحانه لم يقبض نبيًّا في مكان إلاّ وارتضاه لرمسه فيه، وإنّي دافنه في حجرته التي قُبض فيها» فرضي المسلمون بذلك (2) .وأيًا كان القائل، فإنّ ما ذكره ابن تيمية لم يكن ليخطر ببال أحدهم على الاطلاق، ناهيك عمّا تنطوي عليه كلمته من تصوّر الاِجماع أو ما هو قريب به!! تلك هي شبهاتهم، لا تقوم إلاّ على الذوق الخاص الذي لا يستقيم مع منطقٍ متجرِّدٍ، ولا يسنده دليل.. (1) انظر: السيرة النبوية> ابن هشام 4: 256، السيرة النبوية> الذهبي 2: 481، والنص منه. (2) إعلام الورى> الطبرسي 1: 27.

قلت: وفي بعض ما قيل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نظر ، فينبغي التأدب مع أهل العلم ولوخالفونا في الرأي ، فلم يكن ابن تيمية رحمه الله يقول ذلك لولا حرصه الشديد على صفاء العقيدة وتطهيرها من أدران الشرك ، ولكن في بعض استدلالاته نظر وشيء من الشطط ربما لما رأى وسمع مما يفعله جهلة المسلمين آنذاك عند القبر

قال الذهبي في السير:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت