فهرس الكتاب
( الشَّرْحُ ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ , وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَاخِرِ بَابِ صِفَةِ الْحَجِّ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْبَيْتِ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بِلَفْظِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ . وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"شَأْنَكَ"هُوَ مَنْصُوبٌ أَيْ الْزَمْ شَأْنَكَ , فَإِنْ شِئْت أَنْ تَفْعَلَهُ فَافْعَلْهُ . وَقَوْلُهُ:"وَوَرَدَ الشَّرْعُ بِشَدِّ الرِّحَالِ إلَيْهِ"احْتِرَازٌ مِنْ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ , وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ( إحْدَاهُمَا ) فَتْحُ الْمِيمِ وَإِسْكَانُ الْقَافِ وَكَسْرُ الدَّالِ ( وَالثَّانِيَةُ ) ضَمُّ الْمِيمِ وَفَتْحُ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ . ( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً مُطْلَقَةً فَفِيمَا يَلْزَمُهُ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) رَكْعَتَانِ ( وَالثَّانِي ) رَكْعَةٌ , وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا , وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ أَنَّ النَّذْرَ هَلْ يُسْلَكُ بِهِ فِي صِفَاتِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ أَوْ مَسْلَكَ جَائِزِهِ . أَمَّا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ [ أَنْ ] أَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَوْ آتِيَهُ أَوْ أَمْشِيَ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ لَزِمَهُ إتْيَانُهُ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم { مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ } وَهُوَ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَقِيلَ فِي لُزُومِهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ , وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ آتِيَهُ وَلَمْ يَقُلْ الْحَرَامِ , فَفِيهِ خِلَافٌ مِنْهُمْ مَنْ حَكَاهُ وَجْهَيْنِ , وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَاهُ قَوْلَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) يُحْمَلُ عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَهُوَ بَيْتُ مَكَّةَ ( وَأَصَحُّهُمَا ) لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ; لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَسَاجِدِ بُيُوتُ اللَّهِ تَعَالَى , وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي آخِرِ الْبَابِ , وَسَنَزِيدُهَا إيضَاحًا هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ إلَى الْحَرَمِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ مَكَّةَ أَوْ ذَكَرَ بُقْعَةً مِنْ بِقَاعِ الْحَرَمِ , كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَمَسْجِدِ الْخَيْفِ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَمَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهَا فَهُوَ كَمَا قَالَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ , حَتَّى لَوْ قَالَ: أَتَى دَارَ أَبِي جَهْلٍ أَوْ دَارَ الْخَيْزُرَانِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لِشُمُولِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فِي تَنْفِيرِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ . وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ فَإِنْ أَرَادَ الْتِزَامَ الْحَجِّ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِحُضُورِ عَرَفَاتٍ أَوْ نَوَى أَنْ يَأْتِيَهَا مُحْرِمًا انْعَقَدَ نَذْرُهُ بِالْحَجِّ , فَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ ; لِأَنَّ عَرَفَاتٍ مِنْ الْحِلِّ فَهِيَ كَبَلَدٍ آخَرَ . وَفِيهِ وَجْهٌ لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَاتٍ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَهَا حَاجًّا . وَقَيَّدَ الْمُتَوَلِّي هَذَا الْوَجْهَ بِمَا إذَا قَالَ ذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَاتٍ بَعْدَ الزَّوَالِ . وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَكْفِي فِي لُزُومِ ذَلِكَ أَنْ يَحْضُرَ لَهُ حُضُورَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ . وَرُبَّمَا قَالَ بِهَذَا الْجَوَابِ عَلَى الْإِطْلَاقِ . وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ . وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ . وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ آتِيَ مَرَّ الظَّهْرَانِ أَوْ بُقْعَةً أُخْرَى قَرِيبَةً مِنْ الْحَرَمِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ بِلَا خِلَافٍ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا الْتَزَمَ الْإِتْيَانَ إلَى الْكَعْبَةِ فَسَوَاءٌ الْتَزَمَهُ بِلَفْظِ الْمَشْيِ وَالْإِتْيَانِ وَالِانْتِقَالِ وَالذَّهَابِ وَالْمُضِيِّ وَالْمَصِيرِ وَالْمَسِيرِ وَنَحْوِهَا . وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَمَسَّ بِثَوْبِهِ حَطِيمَ الْكَعْبَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ نَوَى إتْيَانَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا إذَا نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى فَفِي لُزُومِ إتْيَانِهِمَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا .